الفلوس.. ”ايغما لادوس“

الفلوس.. ”ايغما لادوس“

وئام غداس

بديهيات كثيرة في الحياة اكتشفنا لاحقا أنها غير سليمة ولا تمت للواقعية بصلة، من بينها أن المال لا يحقق سعادة الإنسان، وانه -أي المال- ليس بالضرورة والأهمية التي لدى عناصر أخرى في الإنسان أو في حياته، إن توفرت هو في نعيم وان لم تتوفر فهو في جحيم، وجميعها تصب في خانة القيم الروحية النبيلة، غير المحسوسة والملموسة كالمال.

الواقع يفرض شيئا آخر، المنطق يقول ماهو خلاف لذلك، حدّ نقضه غالبا، ولو استثنينا الصحة فلاشيء في الحياة أهم من المال، عندما أقول مال فأنا لا أعني الغنى ولا الأموال الطائلة بمختلف أشكالها، ولكني أعني الحد العادي اللازم لستر الحال، وكلمة ستر الحال هذه بالغة الدقة أجدها، ولو طُلب مني رسم للمال غير أوراق العملة لجعلته سورا عاليا يحيط الإنسان بينما في الخارج تزأر أسود عاتية.

لماذا نعمل ونهدر أعمارنا في الركض ومحاربة عقارب الساعة لانجاز هذا العمل أو ذاك، لماذا نتعب ونشقى ونجتهد ونتحمل، لماذا رضينا بحبس الوظائف وأمزجة المدراء؟ لماذا نضطر أحيانا أن نتحول إلى مجرد آلات تُحدّد جودتها بحجم إنتاجها؟ بل قل لي حتى لماذا تكتبين هذا المقال الآن؟ لا تقل لي لغايات معنوية أرجوك، ولا تحدثني عن الاحتياجات الوجودية والتحقق واثبات الذات أو حتى أن ”العمل عبادة“، أنا وأنت والجميع نشتغل من أجل المال أولا وقبل كل شيء، إن كنت تحب عملك قد أقتنع أن غايتك منه ليست المال وحده، وان كان أوّلاً.. دائما!

شبهوها ب“إيغما لادوس“، الحسناء الفرنسية التي جننت الناس واستماتوا في الركض خلفها، الفلوس تفعل نفس الشيء إنها محبوبة الجميع التي لا يدخرون وسيلة من أجل الحصول عليها، لا أحد يكره أن يعيش برفاهية ورخاء وأن يكون بإمكانه الاستمتاع بملذات الحياة إلى أبعد حد ممكن، هذا عمليا لا تحققه سوى الفلوس، وما تنظيرات البعض حول أنها مجرد مكمّل، أو أن الفقر يصنع العقل بل والإبداع، يهذب الروح ويطهرها ويعليها ويجعلها مترفعة عن كل المادي

زاهدة فيه، ما كل هذا الكلام سوى اختراعات خلقها الأغنياء لينعموا بغناهم دون من يطالب بعدل أو مساواة،أو تربية أحقاد واخترعتها على مر العصور فئة لابد أن تخرج من كل زمن، فئة المولعين بالشعارات الكبيرة العظيمة والتي تتكسر مع أول اصطدام حقيقي بالواقع.

عزيزي ”المتفذلك“ الواثق أن المال ليس الأهم حدثني عن طفل يحتاج غذاءً أي شعار سيسدّ جوعه، عمن يريد حذاءً للشتاء أو معطفا هاتِ قيمة أخلاقية واحدة تشعره ببعض الدفء، المريض بماذا ستنفعه كلماتك الرنانة المبهرة إذ يحتاج دواءً؟ حسنا وإنسان يريد ألا يتسول، وامرأة تريد أن لا تبيع جسدها، وعالم بأكمله يطمح أولا وأخيرا أن يعيش بكرامة وحرية!

اعلم يا صديقي أن الكرامة هي تماما أن لا تذلّك الحاجة لأحد وتضطر لأجل ذلك أن تتنازل حتى عن نفسك! وأن الحرية هي المقدرة على المشي في الحياة برأس مرفوعة لم تطأطئها الخصاصة وقلة ذات اليد، أن تعيش وحولك سور عال هو الحد الأدنى من الأمان، والأمان لا يتحقق في مصير مجهول قد تغيب عنه أبسط مقومات العيش الكريم.

قرأت مرة كتابا يتحدث عن الشرف، ويروى كاتبه عن بؤس بطلته ذات ليلة حزينة ووالدها ينازع الموت والأوجاع، هامت على وجهها في الشارع باحثة عمن يبعد شبح الموت عن أبيها، وتذكرت أن صاحب الصيدلية طالما غازلها وأن بإمكانها الآن الذهاب إليه وأخذ الدواء مقابل ”شرفها“، احتارت وحيرتنا عن معنى الشرف، وعما يعنيه للفقير في حالة كهذه أو حالات كثيرة مشابهة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com