حريق جديد مختلف

حريق جديد مختلف

يوسف ضمرة

ليس للتدخل الروسي في سوريا أثر مباشر على الانتفاضة الفلسطينية الثالثة. ولكن السياقات التاريخية علمتنا أكثر من مرة، أن حريقا هناك، قد تصل منه شرارة إلى هنا. فالحرب هي الحرب، ونارها تشتد مع توزع بؤر الجمر ودوامات اللهب.

العدو الصهيوني كان مطمئنا إلى حد ما، لانشغال الأمة العربية، بما فيها الفلسطينيون، بما يجري على الساحة السورية، حتى إن كثيرا من الفلسطينيين عدّلوا في التراتبية الوطنية، فأصبحت سوريا قبل فلسطين على أجنداتهم.

الصهاينة لا يعرفون التوقيت المناسب لعمل أي شيء؛ إنهم لا يعترفون إلا بالقوة، ولهذا أحرقوا عائلة الدوابشة في دوما/ نابلس، ظنا منهم أن الناس منشغلون عن فلسطين بسوريا واليمن.

ثم جاء الخطاب البائس للسيد محمود عباس في الأمم المتحدة، ليأمر الفلسطينيين بالاستكانة والاستسلام، حتى يقبل الصهاينة بحل يرضي جزئيا بعض أطراف الشعب الفلسطيني.

في الداخل ارتفعت درجة غليان الغضب الفلسطيني على ما يحدث، وكان للأقصى النصيب الأكبر في شد أزر الناس وهممهم،حيث خرجت فكرة تقسيم الأقصى إلى العلن، وأصبحت المواجهات تدور في داخل الأقصى نفسه لا في ساحاته أو على أطرافه.

كان الأمر تلزمه شرارة واحدة،فجاء مهند الحلبي الفتى الذي لم يبلغ العشرين، وقدح تلك الشرارة. وإذ بالسكاكين المنزلية مشحوذة منذ زمن، تنتظر من يروي حديها بدم القتلة والعصابات والجنود.

أصرت السلطة الفلسطينية على التهدئة، لأن سبب بقائها الوحيد هو أن تلعب هذا الدور الوظيفي. ومن دونه تفقد حتى حق التنقل من حاجز إلى آخر. أبدى العالم قلقه كالعادة من تصاعد التوتر، متناسيا ـ هذا العالم المنافق ـ أنه هو من يشجع العدو الصهيوني في احتلاله وفي اعتداءاته كلها منذ أن أنشأ الكيان الصهيوني إلى اليوم. فبأي حق تعترف الأمم المتحدة أن الكيان سلطة احتلال على الضفة وغزة، ولا تحرك ساكنا لإزالة هذا الاحتلال؟ وبأي حق أصلا يتقبل العالم الكذاب والمنافق فكرة مجيء قطعان بشر غير متجانسين عرقيا وإثنيا وجغرافيا وتاريخيا، ليغتصبوا أرضا يسكنها شعب منذ آلاف السنين؟

يتعاطف السياسيون المنافقون حول العالم مع بعض الجرحى الصهاينة، ولا يفعلون شيئا حيال عائلات 4 آلاف شهيد في غزة، ولا يفكرون حتى في البحث عن أمكنة لنوم عائلات تفترش الأرض والدمار وتلتحف السماء صيفا وشتاء.

يحق لمن أوذي أن يرد عنه الأذى. يحق لمن اعتدي عليه أن يرد لاعتداء. يحق للناس أن تخرج وتقاتل، لتحقيق أبسط شروط الحياة الإنسانية. ولا يحق لسلطة فلسطينية منخورة بالفساد والكذب والنفاق أن تتدخل في خيارات هؤلاء الناس. فلتذهب السلطة إلى جهنم، لأنها لا تحقق للفلسطينيين فرص حياة بدائية على الأقل، ولا هي قادرة على رد الأذى عنهم في الشارع والحاجز والمعمل والمنزل وكرم الزيتون واللوز. ولا هي قادرة على منع مستوطن قاطع طريق في أوروبا، من قتل العشرات وهم يؤدون الصلاة، أو وهم يستحمون في الشمس على شواطئ فلسطين.

اللافت في هذه الانتفاضة الثالثة هو أن أبطالها لم يشهدوا أوسلو ولا وادي عربة ولا حتى دير ياسين أو صبرا وشاتيلا. إنه جيل جديد غرست المأساة جيناتها في روحه فخرج بالسكين.

قلنا من قبل لهم: لا تراهنوا على نسيان الأجيال الفلسطينية القادمة، فدرجة الوعي أكبر، والأسئلة مشروعة: بأي حق نعيش لاجئين ومشتتين، بينما كانت لنا أرض وبيوت؟ هذا الجيل ليس معنيا بسلطة أو هيمنة أو نفوذ؛ إنه معني فقط بتحقيق العدالة التي يتم البطش بها يوميا أمام عيونهم. فهل نشهد حريقا جديدا مختلفا هذه المرة؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة