صباح الخير

صباح الخير

مارلين خليفة

ألهمني المشي في شوارع مدينة جبيل ( مدينة أثرية تقع في جبل لبنان) كتابة هذه المدوّنة اليوم. هنالك بين الأعمدة الرومانية التاريخية والقلعة الصليبية والكنائس والجوامع الأثرية، يمشي روّاد الرياضة الصباحيّة بين الأزهار المتفتحة التي تواكب صلوات يوم الأحد المسموعة من الكنائس والجوامع سويّا.

لا أريد الكلام عن مقاهي جبيل وهندستها المدنية الحديثة وصيانة الآثار والشوارع التي باتت تضاهي تلك التي نراها في مدن أوروبية عريقة في إيطاليا وبلجيكا وفرنسا وسواها…بل أريد الكتابة عن الناس.

أسعدني كثيرا حين شاهدت مجموعة من السيّاح الأجانب، أعتقد أنهم فرنسيين، كانوا يمارسون رياضة المشي الصباحية متنقلين في الشوارع القديمة وصولا الى ”الكورنيش“ البحري الرائع الذي تتهافت عليه الأمواج ثمّ تعود أدراجها في مشهد لا يملّ النظر منه.

هؤلاء الأجانب كانوا يلقون بالتحيّة الصباحيّة: صباح الخير على كلّ فرد يمرّ من أمامهم مصحوبة بابتسامة مودّة وصداقة.

إستوقفتني هذه العبارة الصباحية التي ينشرها هؤلاء على جميع من يلتقونهم، وهم غرباء عنهم. لعلّ الأمر يبدو بسيطا وغير مهمّ للبعض لكنّه كذلك.

فإذا صادفت لبنانيا يمارس الرياضة الصباحية مثلك فأنت أمام 3 خيارات: إما يتحدث عبر هاتفه الخليوي، وإمّا يرمقك بنظرة تفحّص ثمّ يشيح نظره عنك، وإما يتجاهلك كليا وقد ”يخبط“ فيك إذا لم تحد من طريقه وكأنّ الشارع ملكه، ولا يمكن أن تظفر منه ( أو منها) بتحيّة الصباح الجميلة.

قد يكون نمط الحياة الذي نعيشه في لبنان كما في البلدان العربيّة كلها ضاغطا جدّا، سواء بظروف العمل القاهرة أو مصاعب الحياة الجمّة، أو السلوك غير اللطيف الذي نلقاه يوميّا من أقرب المقرّبين إلينا. هذا النّمط أبعد الناس عن بعضها البعض، فباتوا يفضلون الإنزواء ويكتفون بالحديث عبر الهاتف أو عبر ”الواتس أب“ أو حتى البريد الإلكتروني، أو ”تويتر“ أو ”فايسبوك“، ولا يتصلون إلا في حال وجود مصلحة شخصية أو عملية.

لقد حوّلت وسائل التواصل الإجتماعي الناس الى آلات متنقلة، والى كتبة رسائل إفتراضية وجرّدتهم من الكثير إنسانيّتهم. فبات الإتصال الشخصي ضعيفا سواء بين الأصدقاء أو بين أفراد العائلة الواحدة. نشعر بالأمر جليا حين نمسك الهاتف ونتصل بصديقة أو بصديق، فهو ينقز للوهلة الأولى قبل أن يبادر بالحديث مجاملة.

كلّ هذه الأفكار إستوحيتها هذا الصباح من عبارة لطيفة وابتسامة صادقة نثرها مجموعة من السياح الأجانب على جميع من التقوا بهم: صباح الخير… عبارة لن تغني الإنسان… ولكنّها تشعره بشيء من السعادة وبأنّ من حوله بشر وليسوا آلات للعمل فحسب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com