البابا وامريكا … قوة النفوذ الاخلاقي

البابا وامريكا … قوة النفوذ الاخلاقي

إميل أمين

ما الذي يجعل الولايات المتحدة الامريكية مالئة الدنيا وشاغلة الناس تهتز اخلاقيا وتتحرك ضمائر صناع قرارها ومبدعي افكارها امام رجل بسيط لا يمتلك سوى رداءه الابيض وصليبه الفضي القديم ، ويرفض ان ينتعل الحذاء الاحمر التقليدي لباباوات روما في زمن المجد والعظمة ؟

انه يحوز على ما يفتقره العالم ، حب الاخرين وخدمة الفقراء والدفاع عن المهمشين والمعذبين في الارض ، انه يمتلك قوة النفوذ الاخلاقي بتجرده عن مباهج الحياة ، كصوت صارخ في برية الامم التائهة في القرن الحادي والعشرين .

لم تجتمع امريكا في العقود الاخيرة على شخص مثلما اتفقت اراء مواطنيها على اختلاف مللهم وتنوع نحلهم على رؤيتها للبابا اللاتيني الاصل ، فبحسب استفتاء اجرته النيويورك تايمز في اوائل سبتمبر ايلول الجاري اعتبر 45% من الامريكيين ان البابا “ زعيم متحدث باسم الانسانية “ .

في بساطته وتواضعه احبه الجميع ، وفي المقدمة ولا شك الرئيس الامريكي والذي نادرا ما يخرج بنفسه ليلاقي زعيم او رئيس في المطار، كما فعل مع البابا .

اصحاب فكرالمؤامرة يذهبون الى ان اوباما كان يحاول ان يدفع عن نفسه اتهامات تلاحقه من وراء خلفيته الدينية ، لكن اغلب الظن انه كان صادقا هذه المرة في الترحيب بضيفه وقد بدا ذلك جليا في الخطاب الذي وجهه اليه …“ انك ترسي من خلال كلامك واعمالك مثالا اخلاقيا قيما … انك تهز ضمائرنا ”.

في وسط الكابيتول وضع رجل الدين السياسيين الامريكيين امام محاكمة ضمائرهم ، مستجلبا من عمق التاريخ مقاربات ذكية بين ما كانت عليه امريكا ذات يوم وما هي عليه الان .

اربعة امثلة ذكرها البابا اظهرت وجه امريكا المضيئ في الزمن الغابر ، ابراهام لينكولن الذي عمل بدون كلل كي تحظى البلاد بولادة جديدة للحرية ، ومارتن لوثر كنج الباحث عن حلم المساواة ، ودورثي داي الخادم الساعي لتحقيق العدالة الاجتماعية والذي اسس حركة العمال الكاثوليك ، واخيرا الراهب البندكتي “ توماس مرتون “ المفكر الذي كان رجل حوار ، ومروج للسلام بين الشعوب والاديان.

في كلمته كذلك كان البابا موضوعيا الى ابعد حد ومد ، لا سيما عندما اقترب من اشكالية القرن الحالي “ العنف والارهاب “ ففي عالمنا اليوم الذي بات ساحة لصراع عنيف وفظائع وحشية ترتكب باسم الله والدين ، راى البابا انه ما من دين معصوم عن اشكال التضليل الفردي او التطرف الايديولوجي ، وهذا يعني انه ينبغي علينا ان نتنبه لاي نوع من الاصولية ، اكانت دينية او من اي نوع اخر .

من على منصة الكونجرس بدا وكأن الحبر الروماني يدغدغ مشاعر الشيوخ والنواب ، ويغازلهم بنموذج امريكا التي حلم بها الاباء المؤسسون “ مدينة فوق جبل “ ، تكون في خدمة الحوار والسلام ، مدينة تصمم على الحد من الصراعات المسلحة وعلى الغائها على المدى الطويل في جميع انحاء العالم .

لم تختلف رؤى البابا في نيويورك عنها في واشنطن ، فمن على منصة الجمعية العامة للامم المتحدة تناول الرجل الاتي من بعيد قضايا الانسانية في حاضرات ايامنا وفي المقدمة منها تدهور المناخ والاعتداء على كوكب الارض ، وكان قد اصدر قبل نحو ثلاثة اشهر “ رسالة عامة “ بعنوان “ كن مسبحا “ تسعى للدفاع عن “ أمنا الارض“ في مواجهة اطماع الراسماليين وجشع صناع الموت .

دافع البابا كذلك عن بقاء الامم المتحدة ك “ بيت للامم “ لاسيما مع ارتفاع اصوات ترى ان الزمن تجاوزها ، واعتبر ان الاصلاح والتاقلم ضروريان لها في مواجهة رؤى عنصرية تدعو لتدمير عشرة طوابق منها ، دون ان يتغير شيئ داخلها ، كما اشار جون بولتون احد اساطين المحافظين الجدد ذات مرة .

من امام الجراوند زيرو حيث النصب التذكاري لفاجعة القرن اكد البابا على ان ارادة الحياة تنتصر دائما على الحقد ، وقد كان مشهدا انسانيا خلاقا ذاك الذي جمع داخل النصب رموز لجميع الاديان على الارض ، كعلامة قوية للرغبة المشتركة بالمصالحة والسلام والعدالة حول العالم .

في خضم احتفالاته لم ينس البابا ان يرسل تهنئة بعيد الاضحى للعالم الاسلامي ولم يفوته ان يعرب عن عميق عزاءه وابتهاله الى الله من اجل ضحايا شعائر الحج في ام القرى .

هل لقاء البابا مع رئيس مجلس النواب “ جون باينر “ الكاثوليكي الاكثر نفوذا والحديث الخاص الذي دار بينهما ثم كلمة البابا في الكونجرس حركا شيئا ما دفع باينر لاعلان استقالته ، بعد ما شاهده الجميع يبكي فيما كان البابا يحي حشدا مجتمعا ويباركه من شرفة الكونجرس ؟

في اليوم التالي للقاء البابا مع باينر اعلن الاخير انه لا يريد ان ان يصبح محور نزاع واختتم اعلانه بصلاة شعرية منسوبة للمتصوف الايطالي الاشهر في تاريخ اوربا “ فرانسيس الاسيزي “ يا رب استعملني لسلامك .

ايام البابا في امريكا كانت برهة من السلام الذي خطف الامريكيين ساسة وشعبا من عالم الحقد والدمار والارهاب الى هبة السلام ..والسؤال حتى متى يمكن لهذه البرهة ان تطول ؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com