نجيب محفوظ: التنكّر للأب

نجيب محفوظ: التنكّر للأب

وئام غداس

قد يكون التنكّر للأصل أكثر الأفعال لا أخلاقية، وجحد دور العظماء ممن أسسوا أجناسا ابداعية على غرار الرواية هو أسوأ ما يمكن انتظاره من أجيال لاحقة، هذا تماما ما ينتابني وأنا أتابع وأقرأ مقالات ومقابلات مع كتّاب الجيل الجديد ولعل فريقاً كبيرا ممن يكتبون الرواية اليوم قد اتفقوا على هتك ”الأصنام“ على حدِّ تعبيرهم، اذ ما معنى بنظرهم أن نجيب محفوظ مثلا هو أعظم روائي أنجبته المنطقة العربية حتى اليوم، أو أن الجميع مجبر لزاماً أن يُحبّه ويعجب بكتاباته، الإنسان المجبول في طبيعته على التمرّد ناقش وطال شكّه كلّ أشكال الوصاية في الحياة وفي الأدب، وانّي أقول دوما أن الكائن الذي رفع سقف انتقاده حدّ الذات الالهية، سيكون قد مرّ بالتأكيد بذوات بشرية كثيرة بقطع النظر عما يمثلونه في الذاكرة الجمعية، أو قيمة ما أسسوه للمجتمع على أي صعيد، هكذا هي الحال اليوم مع أب الرواية العربية ومؤسسها نجيب محفوظ الذي تمرّ اليوم ذكرى رحيله التاسعة.

لا أجانب الجرأة أو أقترب منها وأنا أقول أن نجيب محفوظ هو أب الرواية العربية، فهو المؤسس لفنّ الرواية في العالم العربي، ولا أعني بذلك أنه أول من كتبها، فجميعنا نعلم أن كثر سبقوه إلى ذلك على غرار محمد حسنين هيكل وتوفيق الحكيم وجورجي زيدان وغيرهم بالتالي نجيب محفوظ ليس مؤسس الرواية العربية بالمعنى التاريخي ولكنه مؤسسها بالمعنى القيمي والفنيّ والأدبي، بدأ مشواره مع الكتابة الصحفية منذ سنة 1928، وبين مجموعات قصصية وروايات ومسرحيات زاد عدد أعماله عن الستين عملا معظمها روايات.

من اللافت في مسيرة محفوظ أنه أكثر كاتب عربي حوّلت أعماله إلى السينما والتلفزيون، قد يرجع هذا إلى إلتصاق رواياته بالواقع والتي تظهر فيها بصفة دائمة ثيمة“الحارة“ التي يختزل العالم بتناقضاته داخلها مما جعل أدبه يصنّف ضمن الأدب الواقعيّ، لكنه أيضا تطرق إلى مسائل وجودية كثيرة سوف يستحيل معها تصنيف أدبه ووضعه في خانة واحدة ذلك أن محفوظ كان أقدر من استطاع مخاطبة الإنسان في كلّ مكان وأي زمان ولئن دارت جميع رواياته في مصر ولم تخرج منها، فما أمكِنته تلك سوى حدود وهمية كالخطوط فوق الخرائط، كل إنسان لابدّ أن يشعر أنه معنيّ بمسألة ما، بحدث أو بحكاية كتبها محفوظ، وليس ضروريا من هو، ما جنسيته أو جنسه أو ما كان عمره، ربما ساعده اتساع المرحلة الزمنية لحياته أن يكون معاصرا على الدوام وحتى اليوم، شديد الانتباه والحساسية للتطورات الكبرى في المجتمع والفنّ عالميا، بل كان في كثير من أعماله كاتبا استباقيا، قارئا جيدا للمستقبل.

ثمة قاعدة تقول أن المحلية الأمينة هي الطريق إلى الانسانية والعالمية وقد كان محفوظ مثالاً في إخلاصه للبيئة المحلية المصرية فخوّل له هذا الإخلاص أن يعبر في تصويره لها إلى المستوى الإنساني العام والارتفاع إلى العالمية حتى الحصول على جائزة نوبل، ألا يكفي هذا الانتصار الثقافي والحضاري للثقافة العربية على صعيد عالمي والذي لم يحققه أي انجاز في أي مجال ووصل إليه نجيب محفوظ بقوة العقل والفنّ والموهبة كي لا نشكك بفرادة منجزه ونعترف صاغرين أنه رمز من رموزنا الأدبية التي لم تتكرّر.

كل هذا لا يجعلني معترضة على اختلاف الذائقة الأدبية، قد لا تميل لأدب محفوظ ولكن سيبدو من المضحك والمزري بحقٍّ أن تستنكر ضخامة ما أورثنا، ومن الغريب اعتباره صنماً يحول دون تحقق كيانك، بينما يقول المثل: أن لا أحد يحبّ أن تكون أحسن منه إلا أبوك، ونجيب محفوظ أب الرواية، وبالتالي أبوك –أدبيا- أيها الروائيّ أحببت ذلك أو كرهت.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة