العرب … بين التعليم والتعتيم

العرب … بين التعليم والتعتيم

إميل أمين

على عتبات عام دراسي جديد ربما يعن لنا أن نتساءل عن مستقبل التعليم في العالم العربي وعن جودة المنتج التعليمي وكذا عن حالة المعلم وتكوينه العلمي ومقدرته على التواصل مع الأجيال الجديدة، أجيال وسائط الاتصال الاجتماعي وما عداها، مع الأخذ في عين الاعتبار أن الحديث يدور حول التعليم الحكومي لا التعليم الخاص، والذي له مشاكله الخاصة بدوره.

والشاهد أن العملية التعليمية في العالم العربي كانت ولا تزال تمثل الجرح الأكبر النازف في الجسد العربي، ذلك أنها توقفت عند حدود الاتباع، ولم تتجاوزها إلى خانات الإبداع، بل أنه وفي ضوء التصاعد المرير للراديكاليات القاتلة، بات الخير في السلف والشر في الخلف، وأضحى الحديث عن التراث هو كتاب المستقبل الذي ينتظر الأجيال القادمة.

في ستينات القرن الماضي تحدث عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عن التعليم، وهو الرجل الذي نادي بأن يكون كالماء والهواء متاحاً بالمجاني للجميع، وقد نادى بالقول الشهير ”التعليم مستقر الثقافة“ وأشار إلى ”أن كل الأمراض المستوطنة في ثقافتنا مصدرها ميكروبات وفيروسات في التعليم الردئ البائس في مدارسنا“ … هل تغير المشهد كثيراً منذ زمن العميد حتى زماننا هذا؟

يمكننا القول دون مواراة أو مداراة أن المنتج التعليمي للعقود الخمسة الماضية إنتج أشكالاً مشوهة علمياً وعملياً، الأمر الذي أنعكس على أحوال الصناعة والتجارة، الاقتصاد والبيئة، الاعلام والقانون ، وكافة مناحي الحياة ، وقادنا إلى الهروب للخلف في سعى للاحتماء بجدران السلف الصالح، ونعجز عن اللحاق بعالم العولمة، فالخوف وعدم المقدرة على مواكبة الاختراعات العلمية، ومجابهة النظريات الثقافية والاجتماعية الجديدة في الشرق والغرب، دفعاا شباب عالمنا العربي للاحتماء برموز الأديان، فاخذوا منها القشور وتاركوا اللباب اي الجوهر، إنه ديالكتيك المئذنة والقمر الاصطناعي، فقد وقف الزمان عند المؤذن الذي يعتلي المئذنة داعياً للصلاة ولم يتجاوزه إلى القمر الاصطناعي القادر على ما للاخير من قدرة لايقاظ الارض باكملها للصلاة وليس دعوة الحي أو الحارة التي يبلغها صوت المؤذن.

يلفت النظر أنه في ستينات القرن الماضي كانت دولة مثل الهند تبدأ نهضتها وتنميتها مع دول عربية كانت تعيش حالة من الازدهار والنهضة والمشروع القومي مثل مصر، غير أنه بعد عدة عقود يبقى البون شاسعاً بين دولة ”الهند“ التي تصدر لوادي السليكون في الولايات المتحدة الأمريكية نحو عشرين ألف من طلاب وخريجي جامعاتها ليقوموا بأدوار رائدة في مجال البرمجة الإلكترونية، وليضحوا أعمدة حقيقية للنهضة الهندية ـ الأمريكية، وبين مصر التي تتلمس حتى الآن طريقاً لنظام الثانوية العامة الذي يخضع لمعايير ”الاختبار والحكم“ ، دونما رؤية للغد.

مسألة التعليم مسألة أمن قومي، وعليه إذا أراد العالم العربي أن يجد له موقعاً وموضعاً في القرن الحادي والعشرين فليس أمامه سوى التعليم والمعلمين والمتعلمين كمنظومة تتحكم في قادمات أيامه، وعليه إصلاح العطب الذي أصابها، ونقلها من دائرة التعتيم على العقول الى دائرة التنوير الحقيقي الذي جعل اوربا على ما هي عله الان .

هل يعلم القاريء كيف تتحكم الولايات المتحدة في العالم وكيف لها أن تقود الأمم والشعوب؟

قد نتفق أو نفترق مع السياسات الأمريكية، لكن لا يمكننا أن ننكر عليها أنها تحكم العالم من خلال افضل منتج لمؤسساتها العلمية والتعليمية، فهي تمتلك من 28 إلى 30 جامعة من ضمن أفضل مائة جامعة في أغلب التصنيفات العالمية، وتمتلك ست جامعات من أفضل عشر جامعات في العالم، ومنها أفضل معهد تكنولوجي وهندسي وهو معهد ماساتشوسيتس … لقد بدأت ثورة أمريكا التعليمية مع التقرير الذي صدر في زمن رونالد ريجان ”أمة في خطر“.

العرب الآن أمة في خطر، هذه حقيقة مؤكدة لا يمكن بحال من الاحوال انكارها ، والاستثمار في البشر أهم وأبقى من الاستثمار في الحجر … هل يعيرنا أحد نسخة من تقرير ريجان لتنسخ وتوزع على وزارات التربية والتعليم في عالمنا العربي البائس؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com