وأد البنات بنسخة عصرية

وأد البنات بنسخة عصرية

تاج الدين عبد الحق

قصة الشابة التي راحت ضحية جهل وتخلف والدها، وماتت ”حتى لا نقول قتلت“ غرقا في دبي، بعد أن منع الوالد الجاهل، رجال الإنقاذ من انتشالها، تؤكد أننا ما نزال نعيش ظاهرة وأد البنات مع اختلاف في المسميات، والتعبيرات، وأن حادث دبي ما هو إلا نسخة عصرية من تقليد مضى عليه قرون، وكانت تقتل بسببه البنات الرضع دفنا بالتراب، إما دفاعا عن شرف افتراضي، أو غسلا لعار لم يقع، وقد لا يقع أصلا.

وبغض النظر عن التفاصيل التي يراد بها تبرئة ساحة من حاول إنقاذ الفتاة، ومهما قيل في هذا الشأن فإن الحادث هو من نوع الجرائم التي يتحمل مسؤوليتها المجتمع ومؤسساته المختلفة.

فالوالد لم يكن هو المسؤول الوحيد عن هذه الجريمة البشعة، والنهاية المأساوية التي انتهت إليها ابنته، بل إن المسؤولية الأولى، تطال المفاهيم الاجتماعية والدينية الخاطئة والتقاليد البالية، قبل أن تطال كل من قصر أو تلكأ في إنقاذ الصبية الشابة.

وكما أن تحميل الأب مسؤولية قتل ابنته، فيه تقزيم للحادث، وجعله من نوع الحوادث الفردية، المعزولة التي سرعان ما يطويها النسيان، وتخرج من دائرة الاهتمام، فإن الإسراع بإعلان الأسباب التي حالت دون إنقاذ الفتاة، لا يكفي لإعفاء رجال الإنقاذ من المسؤولية القانونية والأخلاقية.

فمهمة هؤلاء يجب أن تكون محكومة بقواعد وضوابط قانونية، تلزمهم بالتصرف دون تردد بالشكل والوقت المناسبين لأداء المهام الموكولة إليهم، بغض النظر عن أي اعتبارات، أو مفاهيم. إذ لا يجوز بأي حال أن يكون هذا الأمر محل مساومة، أو موضع استئذان لاعتبارات اجتماعية أو تقاليد ومفاهيم مغلوطة.

لكن الإنصاف يقتضي القول بأن سطوة رجال الإنقاذ، حتى لو كانوا مسلحين بالقانون، والخبرة الفنية، ليست أقوى من سطوة بعض المفاهيم التي لا تزال تحكم حياتنا، وتتجاوز على حقوقنا جيلا بعد جيل. والأمثلة على ذلك كثيرة والشواهد عليها فظيعة.

جرائم الشرف مثلا هي من نوع الجرائم التي شرعنت انتهاك حقوق المرأة وتركتها ضحية لأب ظالم أو شقيق جاهل. وكم من جريمة من هذا النوع نال مرتكبها المدح والثناء، وأفلت من العقاب، دون أن ينال ما يستحق من جزاء.

وكانت العقوبات المخففة التي تضمنتها قوانين بعض الدول العربية لهذا النوع من الجرائم، تأكيدا على أننا لم نستطع حتى في قوانينا أن نحمى المرأة من تلك الانتهاكات أو نحصنها من التجاوزات.

زواج القاصرات الذي لا زال يمارس سرا وعلانية في كثير من الدول العربية والإسلامية، مرة تحت ستار فتاوى وأحاديث دينية ما أنزل الله بها من سلطان، ومرة بسبب تقاليد اجتماعية موروثة عفى عليها الزمن، وتنتهك بسببها حقوق الطفولة، وأحلامها، هو مثل آخر من جنس الجريمة التي وقعت على شاطئ دبي، مع اختلاف في التوصيف والتصنيف.

وتعاطي الإعلام مع هذه الجريمة الجديدة وسكوته عن جرائم مماثلة سابقة، لا يعني أنها أفظع من تلك التي ترتكب في معظم الدول العربية، التقدمية منها والرجعية، حسب التصنيفات طيبة الذكر، والتي باتت أقرب للنكتة، بعد أن تساوت الرؤس، وتعادلت التوجهات.

لن نتحدث عن العمليات الانتحارية والقتل الجماعي، أو عن عمليات السبي، وبيع النساء الذي تمارسه التنظيمات المتطرفة أو منع البنات من التعليم أو التوظيف، فهذه ظواهر شاذة، حتى وإن وجدت من يبررها أو يقلل من خطورتها أو يعطي تفسيرا لينا لها، لكننا نجد أن التوجه لعقاب الجاني المباشر عن جريمة مثل إغراق صبية في ريعان الشباب دفاعا عن الشرف، فيه افتئات على الحق والعدل. فالوالد الجاني، الذي نحمله اليوم المسؤولية المباشرة عن الجريمة، ما كان له أن يقف هذا الموقف، وأن يضحي بفلذة كبده، لولا تلك الفتاوى الدينية السخيفة التي هيأت له أنه يدافع عن عقيدته وشرفه.

وكما في القانون الذي يعاقب من يحرض على الجريمة أو يسهل ارتكابها بنفس عقوبة الجاني المباشر، فإن العقاب يجب أن يطال أولئك الذي حقنوا هذا الأب المجرم بمفاهيم مريضة، وهيأوا له أن ما قام به هو دفاع عن الدين أو العرض.

عقاب هؤلاء لا يكون فقط بمنعهم من الفتوى واعتلاء المنابر وشاشات الفضائيات، بل بفضحهم والتشهير بهم أيضا، والسكوت عنهم هو نوع من التواطؤ، الذي يشجع الجريمة ويجنب مرتكبيها العقاب، وبما يسمح بتكرارها وتوارثها وممارستها دون وازع من ضمير أو رادع من قانون.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com