في اعترافات اوغست هانينغ

في اعترافات اوغست هانينغ

اوغست هانينغ ليس غريبا عن منطقة الشرق الاوسط، فالاستخبارات الالمانية تكاد تكون في مقدمة الاجهزة الاستخبارية الغربية في العالم العربي.

المصدر: إميل أمين

هل ما يجري في الشرق الاوسط والعالم العربي تحديدا هو محاولة جديدة بالفعل لرسم ملامح جغرافية وسياسية مغايرة لما ساد طوال نحو مائة عام بعد ما عرف باتفاقية ”سايكس بيكو“ الاولى، وفيها رسمت خريطة أولية للشرق الاوسط، وتخلقت كيانات لأهداف بعينها، تخدم المصالح الغربية لزمن طويل؟.

بلا شك السؤال يتردد منذ فترة ليست قصيرة والجميع يتطلع الى جواب شاف واف، ولا أحد يقدم حقيقة واحدة بالتصريح، وإن كانت التصرفات والافعال على الارض تشي بأن خطة التقسيم قد بدأت بالفعل، والعين غنيك عن أن تطلب الأثر كما يقال، فها هو حال السودان المقسم رسميا، ثم العراق المجزأ طائفيا ومذهبيا، عطفا على سوريا التي يشير الواقع إلى أنها لن تتخلص أبدا من شبح التقسيم على أساس أو آخر، أما ليبيا فحدث ولا حرج.

في حوار أخير له مع صحيفة السفير اللبنانية يتحدث مدير ”وكالة الاستخبارات الخارجية الالمانية “ السابق ”اوغست هانينغ“ ( 1998-2005)،  عن سايكس بيكو الثانية وكأنها باتت حقيقة واقعة ، وبتحليل هادئ عقلاني لكلمات الرجل يدرك المرء لماذا باتت المنطقة  على صفيح ساخن.

اوغست هانينغ ليس غريبا عن منطقة الشرق الاوسط، فالاستخبارات الالمانية تكاد تكون في مقدمة الاجهزة الاستخبارية الغربية في العالم العربي، إن لم تكن هي مقدمتها بالفعل ولعل الجميع يتذكر أن الالمان لهم دور معروف في غزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 وإن كان هانينغ  قد أكد للامريكيين أن معلومات عميله في العراق لا يمكن تاكيدها.

وهانينغ كذلك هو رجل عملية تبادل جثث الجنود الاسرائيليين الثلاث  بأسرى حزب الله في السجون الاسرائيلية ، وعليه فالرجل على دراية جيدة بالمنطقة وأحوالها وما يدور فيها.

يذهب ”هانينغ“ إلى أن الشرق الاوسط منطقة غير مستقرة وأنه حان الوقت للتفكير في هيكلية أمنية جديدة. ماذا يعني هذا الكلام؟

 في تحليل رجل الاستخبارات الالمانية العتيد أنه بعد الحرب العالمية الاولى تم انشاء حدود مصطنعة جدا، وعنده أن العراق مثال على تلك الدول التي تم تركيبها  على غير اتساق لمكوناتها الديموغرافية ، فهناك معارك تاريخية بين المجتمعين السني والشيعي، عطفا على وجود أقليات مثل الاقلية الكردية، ما يجعل إمكانية عيش هولاء جميعا تحت مظلة واحدة في نهاية المطاف أمرا مستحيلا.

هل كان لدى الاوربيين تجربة ما في هذا السياق؟

مؤكد أن ما جرى في دول البلقان في تسعينات القرن المنصرم يقودنا إلى وضع مشابه، فالاوربيون يقولون بأننا حاولنا إجبار  مجموعات مختلفة على بناء دولة واحدة، وأن يتعايشوا معا، ويكونوا متسامحين، لكن الحدود المصطنعة في نظر الاوربيين لا تجلب السلام ”…هل يعني ذلك أن الالمان بدورهم كمقدمة ضاربة للاتحاد الاوربي، يلتقون مع النهج الامريكي الساعي لرسم المنطقة جغرافيا وديموغرافيا من جديد؟.

في اعترافات ”هانينغ“ فإن وزارة الخارجية الالمانية ليست جاهزة لدعم هذه الافكار الجديدة، لكن في نهاية المطاف لابد لها من السعي قدما في اتجاه حل سلمي، عبر رسم حدود جديدة في المنطقة.

غير أن المثير في تلك الاعترافات هو القول بأن القوى العلمانية المعتدلة في الشرق الاوسط تكاد أن تكون قد اختفت  صالح القوى الراديكالية ، بل وأفسحت المجال للاصوليات المتوحشة وداعش مثال على ذلك.

يعني لنا أن نتساءل: هل فشل العالم العربي في إنشاء دولة عصرانية بعد أن تحرر من الاستعمار الغربي في خمسينات القرن الماضي؟.

الجواب يستدعي حالة التنادي لملاقاة لدرء الأخطار المحدقة بنا في هذه الاوقات العصيبة وأبدا لن يكون الامر متأخرا، وحتى إن كان كذلك فإنه حسن جدا أن تصل متاخرا من أن لا تصل أبدا.