شخصنة الأحداث: الصورة والقضيّة

شخصنة الأحداث: الصورة والقضيّة

وئام غداس

يمكن إعتبار صورة الفتاة الفيتنامية وهي تركض عارية والنار مشتعلة في ظهرها بعد قصف بيتها بقنبلة نابالم من قبل القوات الأمريكية، واحدة من أكثر الصور التي هزت العالم في القرن العشرين ومثلها صورة الصبي اليهودي وهو يتجه نحو المحرقة أثناء الحرب العالمية الثانية ونظرة الرعب في عينيه، ثم صورة محمد الدرة الطفل الفلسطيني الذي كان مختبئا بجسد والده خوفا من الرصاص حتى أصابته إحداها ومات، وقد تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل في الأسبوع الفارط صورة أخرى يبدو أنها ستأخذ مكانها في مجموعة الصور الأكثر تأثيراً على المجموعة، لا سيما القادرة أن تسهم في الإلتفات جديا إلى القضية الرئيسية، ما لا تنجح في تحقيقة سياسات في بعض الأحيان.

الصورة التي التقطتها وكالة ”أسوشييتد برس“ كانت لرجل في 77 من العمر جالسا أمام باب المصرف وهو يبكي بحرقة بعدما عجز عن سحب راتب زوجته، بسبب الأزمة الإقتصادية اليونانية الكبيرة.

قبل عام تطرق الكاتب الفلسطيني خالد جمعة من خلال مقال حمل عنوان: الإعلام وصورة الدم، إلى مسألة ذكاء الصورة والفرق بين الإعلام العربي والإعلام الغربي، في التعامل إعلاميا مع قضاياهم الكبرى، وكيفية إستقطاب الإهتمام وحتى التعاطف الجمعيّ، في الكوارث والحروب، يصرّ جمعة أن الصحفي في الإعلام العربي غالباً ما يخذل قضيته من حيث يريد خدمتها، وأن ذلك لا ينتج بالطبع عن عوزٍ في الولاء لها وإنما نتيجة لإندفاع عاطفيّ فرضته اللحظة.

من الطبيعي أن رؤية الجثث والدم بإستمرار ومع مرور الوقت تخلق حالة من التعوّد والتشبع وقد تحدثتُ في مقال سابق عن مأساة ”نهاية الموت“ التي بتنا نشهدها كعالم عربيّ، مجرد صور في نشرات الأخبار لم تعد تستوقف أحداً، وإن كان فقد اندرجت تلقائيا ضمن اليوميّ وهذا مفزع.

علينا الإعتراف أن الإعلام الإعتباطيّ غير المدروس قد ساهم بشكل مباشر في هذه المأساة، هنالك لعبة إعلامية للأسف لم تسعفنا التجربة أن نتعلّم قواعدها بعد ونفهم أصولها، فمثلا لو افترضنا أن العجوز اليوناني قد أصيب بأزمة قلبية أمام المصرف ومات وأن المصور أخذ صورة لجثته، هل سيكون لها نفس تأثير صورته وهو جالس أمام المصرف يبكي وينتحب؟

من المؤكد أن الصورة الثانية أخذت هذا الإهتمام الإعلامي الكبير لأن صاحبها حي يتحرك ويبكي، وواقع مباشرة تحت المعاناة أمام عينك سوف تشعر تلقائيا بالرغبة في مساعدته لكن ما الذي بإمكانك فعله لجثةٍ هامدة؟ طبعاً ستنظر ومن ثمّ تمرّ.. هكذا تماماً مع صور الحروب، بالنسبة لي تبقى صورة أم الشهيد أبلغ ألف مرة من صورة جثته، وما خلّفته في نفسي صورة رينيه شولتوف التي التقطها لطفلة سورية بكت رعباً وهو يوجه إليها الكاميرا في أحد مخيمات اللجوء ورفعت يديها ظنا منها أنها سلاح، أشدّ تأثيراً بما لا يقاس من مشاهد جثث الأطفال التي تعرض يوميا، وبهذا الزخم القياسيّ!

هنالك وعي بمدى دور وخطورة الصورة أتمنى ان لا يكون الوقت قد فات ليفكر الإعلام العربي بحجم مساهمته في خدمة قضايانا أو طويها، تقويتها أو إضعافها .. يبقى في الأخير أن أذكركم أن أمريكا لم تعرض أي جثة لضحايا 11 سبتمبر ولا شاهدنا مرة جثة إسرائيلي في فلسطين، وشخصيا لم أرَ واحداً من ضحايا حادثة شارلي ايبدو الفرنسية غارقاً في دمائه، في المقابل كل صور الضحايا أتت عندما كانوا أحياء، واكتفت فرنسا بعرض ثقوب الرصاص على الجدران وبلور النوافذ وبركِ الدماء على الأرض للإشارة إلى فظاعة الحادث.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com