في كل ما يجري، لا ثابت إلا العدو

في كل ما يجري، لا ثابت إلا العدو

يوسف ضمرة

في العلم السياسي، وحين تصبح موازين القوة متكافئة، أو شبه متكافئة، فإن احتمال نشوب الحروب يقل، استنادا إلى ما يسمى بقوة الردع لدى الطرفين. فالمليارات التي يتم إنفاقها على التسلح في الدول الكبرى، لا تذهب هدرا كما قد يظن البعض؛ إنها هي التي تؤمن الاستقرار لهذه الدول، لأن الدول الأخرى تتحسب لرد الفعل في حال فكرت بالقيام بعمل عسكري.

هذا الواقع، أنتج حروبا من نوع آخر، تشمل حروب السيطرة على مناطق الثروات في العالم، وطرق النقل الحيوية. ولكي يتم إنهاك الدول أو إضعافها أو تقليل قوة الردع عليها، فقد خلقت الدول الكبرى، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، حروبا بالوكالة؛ أي أنها أوكلت لحلفائها شن حروب إقليمية، تؤثر على مصالح الدول الكبرى الأخرى، وتجعلها منهمكة في التصدي لآثار تلك الحروب الإقليمية.

هذا ما يحدث في منطقتنا الآن. وهو مرتبط بشأن آخر أساسي يخصنا تماما، وهو العمل على تقبل إسرائيل كدولة يهودية في قلب العالم العربي. وقد تحقق الكثير في هذا السياق، خصوصا مع وجود سلطة فلسطينية تحت الاحتلال، قابلة للطيّ، وقابلة لأخذ لون الإناء الذي تُوضع فيه. فانتعاش اليمين الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، وانحسار اليسار“ اليسارية هنا تأييد حل الدولتين بشروط إسرائيلية“ جاء نتيجة غياب المبادرات الفلسطينية الخلاقة، التي تجعل المجتمع الإسرائيلي يفكر كثيرا قبل انتخاب اليمين الذي قد يقودهم إلى حماقات لا يريدها المستعمِرون“بكسر الميم“ الصهاينة. أما وقد تم إسقاط خيار المقاومة، حتى من خلال انتفاضة فلسطينية ثالثة، يصر محمود عباس على التصدي لها في كل فرصة تلوح، فإن الصهاينة لم يعودوا معنيين بحل الدولتين، ولم يعودوا معنيين بأي حل للقضية الفلسطينية، وهم يتطلعون إلى شرق عربي ممزق وواسع تستوطنه الحروب والنزاعات والثروات معا، ويعتقدون أن هذا الشرق هو من ينبغي له أن يحل مشكلة الفلسطينيين.

لقد أظهرت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، أن ما يسمى باليسار في الكيان الصهيوني، بالكاد تمكن من حجز بضعة مقاعد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولم يتمكن العمل بتحالفه مع ليفني/ حزب الحركة، من الوصول إلى حزب الليكود، بينما كان العمل هو الحزب الذي قاد الكيان الصهيوني منذ نشأته، وخاض حروب الكيان كلها، وأسس للدولة اليهودية بمجازره.

يصاحب الحال الفلسطينية المتردية والضعيفة والمستسلمة تماما لمشيئة الكيان الصهيوني، الوضع المتفجر في العالم العربي، والحروب الدينية المتنقلة والعابرة للحدود، باسم الجهاد والطائفة والمذهب والتكفير. وهي حال يحتاج العالم العربي إلى عقود ليبرأ منها، في حال تمكن أعداء هذه الحروب من كبح جماحها. بمعنى أن الكيان الصهيوني بمستوطنيه، لا يجد نفسه مضطرا أبدا لتقديم أي شيء للفلسطينيين، طالما لا يوجد ما يهدد هذا الكيان أو يجعله يتحسب للمستقبل المنظور ـ وربما البعيد ـ

قدم العرب مبادرات كثيرة، منها ما هو فردي كمعاهدات بينية مثل كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو، ومنها ما هو جماعي كالمبادرة العربية. وعلى الرغم من هذا كله، فإن الكيان الصهيوني لا يجد نفسه تحت ضغط يلزمه بالتجاوب، على الرغم من أن مثل هذه المبادرات أو نصفها، كانت مطلبا صهيونيا حتى نهاية السبعينات من القرن الماضي. وكلنا يتذكر ما كنا نعتبره شرطا تعجيزيا يضعه الكيان في سياسته لحل القضية الفلسطينية، وهو“الاعتراف بدولة إسرائيل وإجراء مفاوضات مباشرة“. لكن الحال تبدلت، وصارت هذه الدولة الطارئة، هي من يقرر القبول بالمفاوضات من عدمه؛ التحاور أو العدوان بين شهر وآخر؛ قمع الناس والاستمرار في تجديد المعاناة لعشرات آلاف الأسرى الفلسطينيين، من دون رادع أو مساءلة.

لقد تعلمت أمريكا والغرب كله، أن الحروب المباشرة مكلفة، بشريا وماديا. وأنها حروب لا تفي بالغرض تماما، لأن مثل هذا يتطلب احتلالا دائما، ما يعني زيادة الثمن، وعليه لا نسمع الغرب هذه الأيام يتحدث عن فلسطين؛ لا حل الدولتين ولا مشكلة اللاجئين ولا أي شيء. وكل ما يتطرق له الغرب عند أول رصاصة فلسطينية ـ ولو طائشة ـ هو حق إسرائيل في الدفاع عن النفس؛ الحق الذي يشمل في هذا السياق تدمير المدن والقرى وقتل الآلاف من دون أن يرف للعالم كله جفن.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com