أولاد تونس الجُدد

أولاد تونس الجُدد

وئام غداس

وارد أن تكون في واحدة من كلا الصورتين، إمّا من شرفة بيتك الواقف فوق تلّة عالية، تراقب حريقاً نشب في بيت جارك القائم أسفلها فوق الأرض المنبسطة، أو أنّك مكانه، داخل الحريق والنار ممسكة بطرف ثوبك، سواء كنت هناك أو هنا، لن يكون الأمر سواء، سيكون ثمة فرق شاسع في رؤيتك للتفاصيل، الحكم، الفهم والأخذ بالأسباب والمسببات، سيكون هنالك فرق في الخسائر أيضاً، مادية كانت أو معنويّة، قد يبدو مدخل المقال بمثابة صورةٍ شِعريّة لا تتلائم مع الكتابة عن شأن سياسيّ، عزائي أنّي لن أخوض مسألة سياسية محضة ههنا، أريد فقط أن أعاتب أولاد تونس: أهؤلاء أنتم حقا؟

عندما وجدت التنظيمات الإسلامية مناخاً نموذجيا وفرته فوضى الثورات، لتخرج كالطحالب من كل مكان في كلّ أرض، وكالجرذان من كلّ ثقب ولما بدأ وباء داعش في سوريا وانتشر، كان من الطبيعيّ أن يسأل الجميع ويلتفتوا حول أنفسهم بحثا عن مصدر هذه الآلاف من الشباب المنخرطين طوعاً بل وفخراً وحتى تبجّحاً في تنظيم شديد التطرف والوحشيّة، في ذلك الوقت خرجت جنسيات كثيرة، بلغنا أن الجنسية التونسية هي من أكثر الجنسيات المتوفرة في تنظيم داعش، كان من الصعب أخذ مثل هذا الكلام بجدية، وبدءاً لم يصدّق أحد هذه الأخبار، ومع التأكّد من صحة الإحصائيات باتت الحقيقة غير قابلة للطعن أو المراجعة، الشباب التونسي يقف على رأس قائمة الدواعش من حيث العدد، بلد التعليم والمدارس والجامعات والحقوق والمؤسسات والعلمانية والقانون والمرأة والمدنيّة يُخرجُ عشرات الآلاف من المتطرّفين والقتلة،هل ولدتم وعشتم وتربيتم فعلاً بيننا، أين كنتم؟

ولماذا لم نتفطّن إلى ما أنتم عليه أو ما أصبحتم به.

39 قتيلا بين أجانب وتونسيين، وعدد كبير من الجرحى بعضهم في وضعيات حرجة هي الحصيلة التي أسفرت عنها العملية الإرهابية الأخيرة التي حصلت في مدينة سوسة على شاطئ أحد النزل الكبرى، القاتل كان في قمة هدوئه، بل أنه كان يطلق الضحك من وقت لآخر وهو يصوب الكلاشينكوف نحو أجساد الضحايا الأبرياء هذا ما أكده شهود العيان.

القاتل الذي لم يتجاوز الأربعة والعشرين من عمره، والمتحصل على شهادة جامعية عليا في الهندسة الميكانيكية، قرّر أن يلقى بنفسه وبغيره إلى هوّة النهاية واستباق الآخرة، وسواء كان ذلك من خلال عملية فردية أو جماعية منظّمة فإنّ الأطراف المسؤولة عن هذه الكارثة وغيرها من المجازر الإرهابية في تونس في السنوات الأخيرة، بلا حصر لأنّ الإرهاب لم يكن يوماً عنصراً مفرداً بل عنصر مبنيّ على أبعاد أخرى، بدءاً بما أنتجته عقود من حكم القمع والإستبداد قبل الثورة من تصحّر في الثقافة الدينية، وسياسة نزع الدين التي استغلّها شيوخ التكفير للحقن الفكري السهل جدا في عقول عذراء تصل في مرحلة إلى جاهزية عمياء لتطبيق الوحشية والكفر بلباس دينيّ، وصولاً لما أتاحته وشجعته الحكومات الإسلامية بعد الثورة، من إنفلات فيما يتعلق بالجماعات الدينية المتطرفة التي بدأت تظهر رويدا داخل المجتمع لتبثّ العنف فيه الحكومات التي تركت للأطروحات الإسلاماوية العنان لتمرّ بيسر وتوجد، ولما بدأت نواقيس خطر الإرهاب تدقّ بيّضوه ولطّفوه وكذّبوه وقالوا : مجرّد فزاعة لتخويف الشعب من الإسلام، ثمّ بشروا بظهور الشباب السلفيّ المؤدلج ولم يروا في حماسهم وذهابهم إلى التطرف والإستبداد بعقائدهم المغلوطة سوى فورة شباب.

شباب تونس ضحايا، شباب تونس مجرمون، النار ماسكة بطرف الثوب، النار في بيت كلّ جيراننا العرب، أيا يكن.. المؤكد أنّنا جميعا اليوم في قلب الحريق.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com