الرحمة للقاعدة في زمن داعش

الرحمة للقاعدة في زمن داعش

تاج الدين عبد الحق

نخشى أن يأتي زمان، نترحم فيه على أيام داعش، كما نترحم اليوم على أيام القاعدة، التي يتوارى تطرفها خجلا أمام تطرف التنظيمات الجديدة التي تنتشر في طول البلاد العربية والإسلامية وعرضها، وتتراجع مكانتها مع سطوع نجم من هو أكثر تطرفا، وأفضل تنظيما، وأكبر مواردا، وأوسع نطاقا.

فمع كل ما تشهده الساحة العربية والإسلامية من قتل وذبح وتشريد، فاق تصورات، حتى أكثر المتشائمين منا، فإننا لا نزال ننحدر كما يبدو، في بئر بلا قرار، ونمشي في نفق طويل مظلم  بلا نهاية.

فالكوارث ومسلسل القتل والذبح والتعذيب والحرق يتوالى  حلقات، كبحر هائج تتلاطم أمواجه، فيما التنظيمات المتطرفة تتوالد كالفطر الذي لا يعرف أحد من زرعه،  وبأي تربة نبت، و أي مظلة توفر له النمو والرعاية.

قطار القتل والتفجير الذي انطلق من الكويت، ومر بتونس وانتهى بفرنسا، يوم الجمعة الفائت، مخلفا عشرات القتلى والجرحى، لا يمكن النظر إليه من خلال المشاهد المباشرة التي خلفها، بل في سياق متصل بسنوات كانت آفة الإرهاب تتزايد فيها، وتتسع، حاصدة آلافا مؤلفة من القتلى، والجرحى وملايين اللاجئين والمشردين.

 عندما وقعت كارثة 11 سبتمبر التي كاتت حدا فاصلا بين زمنين،  ظننا أنها ستكون كافية لنفيق من سباتنا، ولنراجع حساباتنا، ونعيد ترتيب خياراتنا، فقد أصبحنا، آنذاك، الهدف الذي يُصوب عليه الجميع، والدائرة التي تتحرك فيها كل القوى.

لكننا للأسف  تعاملنا معها كحدث خارجي، ولم نتوقف كثيرا عند الارتدادات والتداعيات  الكثيرة لها في الداخل. وبدلا من أن نحاول احتواء الخطر، تركنا العنان لمن كان يشكك في مسؤوليتنا الأخلاقية والأدبية – قبل الجنائية-.

لم نتورع عن إطلاق تفسير تآمري يعتبر الأمر برمته  فبركة إعلامية، أو مؤامرة صهيونية، لإعطاء الغرب ذريعة للتدخل في شؤوننا، والسيطرة على مقدراتنا وخيراتنا وتشويه ديننا. غافلين عن أننا بذلك التفسير أعطينا صك براءة ومظلة حماية للمتورطين بذلك الحادث، بل ووفرنا لهم فرصا للاستعداد والإعداد لجولات أخرى من الكوارث والنكبات.

وحتى الدعوات، التي أطلقها البعض لمراجعة النفس، ومعالجة التشويه الذي طال معتقداتنا  الدينية،  وموروثنا الإسلامي، كانت خجولة، سرعان ما توارت وانسحبت عندما بدأت تواجه تهم التكفير، وأشكال الإرهاب والتهديد.

وبدلا من أن نسمع تلك الأصوات التي هالها ما حدث، وتحسبت لما هو أفظع، أطلقنا العنان، وفتحنا المنابر، والشاشات، للعشرات بل للمئات، من أنصاف المتعلمين، ممن استباحوا الدعوة ولونوها بلون، عصبي و طائفي، أو ممن اتخذوها وسيلة  تجييش وتحريض، لتحقيق مأرب سياسي أو للوصول لمركز وجاه اجتماعي، أو حتى لزيادة الثروات وخلق المعجبين والأنصار.

 وبسبب زيادة تأثير هؤلاء في المجتمعات الإسلامية، ومن باب داوني بالتي كانت هي الداء، بدأنا نستعين بهم  كأدوات في الخصومات السياسية الداخلية، أو تصفية الحسابات الخارجية، معترفين ضمنا بشرعية تأثيرهم في الشارع، وبالتالي القبول بهم شركاء في تكييف كثير من القضايا، بالشكل الذي يتلاءم مع رؤاهم، ولا يعطل تأثيرهم ولا ينتقص من دورهم. وأصبحوا بدلا من أن يكونوا  وسيلة لاحتواء التطرف أو تدجينه، حاضنة له، وآلية تفريخ لأنماط مختلفة منه.

وفي زحمة الحماس الذي أثارته موجات ما سمي بالربيع العربي، أظهر أولئك الدعاة الوجه الحقيقي لتوجهاتهم، وطموحاتهم ومطامعهم السياسية وعصبيتهم المذهبية، فتصدروا المشهد في غفلة من الأنظمة التي رعتهم ووفرت لهم فرص الانتشار والتأثير، محولين خطابهم الدعوي إلى شكل من أشكال التحريض على التطرف حينا، أو التبرير له حينا آخر.

اليوم وبعد هذه الجمعة الدامية وما سبقها، فإننا نحصد ما زرعنا، ونقطف ثمار ما روينا.

ولا يكفي للإفلات من المسؤولية، أن نتبرأ من منفذي الجريمة، ونحدد الجهات التي تقف وراءها.

بل نحتاج إلى مقاربة مختلفة عن كل ما سبق. فالإمساك بالعصا من الوسط مع المتطرفين لم يعد نافعا ولا قادرا على تحقيق نتائج عمليه تبدد حالة القلق التي نعيشها، وتحتوي المخاطر التي تتزايد حولنا.

فمحاربة التطرف العابر للحدود، لا يمكن أن يكون مجديا إذا ظلت هناك حالة  من المراوحة والتردد في محاربته في الداخل وتجفيف منابعه التي يستقي منها ويستقوي بها.

لقد أظهرت تجربة المواجهة مع التطرف والمتطرفين، أنهم ينتمون إلى ملة واحدة وينهلون من معين واحد، وأن قاعدة عدو عدوي صديقي ليست دائما صحيحة، وتجربة الحرب ضد الاتحاد السوفيتي في أفغانستان  مثل صارخ على فشل محاولات التعامل مع من يوصفون بالتنظيمات الجهادية، فهذه التنظيمات طال الزمن أو قصر سترتد بشرورها على المجتمعات التي نبتت فيها، فمشروعها الحقيقي ليس المشاركة في السلطة بل الاستئثار بها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com