أرصفة كالقبور، ومكتبات على سفر..

أرصفة كالقبور، ومكتبات على سفر..

يوسف ضمرة

قرأت عن مصير الكتب والمكتبات في دمشق؛ عن“بسطات الكتب“ التي كانت تغلق الأرصفة، خصوصا أيام الجمعة. لم يفاجئني احد بما قال؛ كُتّاب وأدباء وشعراء ومترجمون، بعضهم باع مكتبته، وآخرون عادوا ليتفقدوها فوجدوها تستحق الرثاء. شاهدت أرصفة أعرفها، وتذكرت زياراتي لها، وعثوري على بعض الكتب التي اعتبرتها في حينه كنوزا لا تقدر بثمن. ولكن..

من يريد أن يقرأ“بليخانوف“ و“ماركس“ و“ماركيز“ في هذا الخراب العميم؟ وما الذي فعلته الحرب؟ باختصار، أصبح العثور على دواء الربو مثلا أهم بكثير من تقليب صفحات شكسبير. وأصبح الرغيف أحق بالاهتمام مما كتبه ثرفانتس أو تشيخوف ذات يوم. هؤلاء لم يكتبوا للسوريين في زمن كهذا، ولم يكتبوا لأحد يعيش لحظة انتظار القذيفة أو سكين الذبح“الحلال“.

ليست سوريا استثناء. كان يقال إن مقاتلي الفيتكونغ كانوا يشنون هجماتهم وهم ينشدون قصائد ماو تسي تونغ. ربما يكون هذا صحيحا، لكنهم لم يقرأوا تلك القصائد ـ كان هنالك من يقرأ لهم أو عليهم ـ ولم يربّوا مكتبات في منازلهم كما تربى نباتات الزينة أو بعض الكائنات كالكلاب والقطط والعصافير، وحتى الأفاعي.

بعض الكتاب يقولون إنهم اكتشفوا عبء مكتباتهم بعد هذه السنوات. صحيح أنهم تعبوا وعانوا لأجلها، لكن الحرب حولتها إلى كائن ثقيل الظل في منزل معرض للسطو أو التدمير، أو أن أصحابه معرضون للتهجير، ونسيان تلك الذكريات مع الكتب والمكتبات التي نشأت بينهم وبينها مئات الحكايا الصغيرة والخاصة.

أحاول أن أتخيل ما يحدث؛ أقلب مكتبتي التي زاد عمرها عن 40 عاما. أقرأ إهداءات كُتاب وأدباء وشعراء. أتخيل بعض اللحظات التي لا تزال عالقة في الذاكرة؛ هذا أهداني إياه صاحبه في جبل اللويبدة سنة 76 ، وهذا وصلني عبر البريد، وهذا تناوله صاحبه من حقيبته ونحن نتناول الحمص والفول في مطعم هاشم ذات مساء صيفي. أتذكر الحوارات بشأن بعض الكتب. أتذكر إشراقة وجوه أصحابها وهم يحلمون بالمجد الكامن بين دفتيّ غلاف ”مجلتن“. أتذكر افتتان البعض بالعناوين التي اختاروها، ويريدون توكيدا منا على صحة اختيارهم.

ذات يوم أصبت كما يصاب الناس باكتئاب حاد. فجأة رأيت المكتبة أمامي، وتذكرت أن ثمة كتبا لم أقرأها بعد، فحمدت الله وشكرته على هذه النعمة. لكني حاولت أن أتبين مقدار ما دفعته من مال ثمنا لهذه الكتب، بينما أدخن أرخص أنواع السجائر، وأكثر من الحمص والفول والفلافل، وتقصر خيالاتي عن اللحاق بأشياء واقعية، كأنواع السمك التي أقرأ عنها، وبعض أنواع الفاكهة، ناهيك عن الثياب والملابس التي تنتجها شركات عالمية شهيرة.

فكرت في هذا كله، وأنا أقرأ عن الكتاب والمثقفين السوريين. بعضهم ربما لعن إيما بوفاري وآنا كارينانينا وراسكولينيكوف. بعضهم تمنى لو يعرف الطريق إلى قبر يوروبيديس. بعضهم ربما خامرته فكرة إشعال النار في مكتبته لينتهي من هذا الكابوس. يا إلهي! هل أصبحت المكتبة كابوسا في المنزل السوري؟ أجل. فالعثور على مكتبة تضم شكسبير ونجيب محفوظ وكتب فراس السواح، يكفي لكسر رقبة. ومكتبة تضم 5 آلاف كتاب وأكثر في منزل لا يوجد فيه ما يسد رمق طفل جائع، تتحول إلى مادة لعبث يوجين أونيسكو أو صموئيل بيكيت.

ذات يوم أضعت الجزء الثاني من رواية“الجندي الطيب شفيك“ التي أصدرتها وزارة الثقافة السورية، ضمن سلسلة من الروايات العالمية الشهيرة. اتصلت بصديق يهتم بالكتب القديمة، ورجوته أن يتدبر الأمر، ففعل. أتصور الأمر يحدث اليوم، فهل أمتلك من الشجاعة ما يجعلني أتصل بصديق سوري، لأسأله عن كتاب؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com