مدونات

قمة كامب ديفيد الالتزام فضفاض والتهديد مستمر
تاريخ النشر: 15 مايو 2015 10:32 GMT
تاريخ التحديث: 15 مايو 2015 12:01 GMT

قمة كامب ديفيد الالتزام فضفاض والتهديد مستمر

ما تواجهه دول المنطقة بسبب القوة العسكرية التقليدية التي تبنيها إيران، قد يكون أضعاف التهديد الناتج عن البرنامج النووي.

+A -A
المصدر: تاج الدين عبد الحق

لم يسجل البيان الصادر عن قمة كامب ديفيد الخليجية الأمريكية اختراقاً، ولم يتضمن غير ما كان متداولا قبل انعقاد القمة، ولا يبدو أن مناخ الاجتماعات بين الرئيس الأمريكي وقادة الخليج قد نجح في استعادة الثقة بالحليف الأمريكي حتى مع تضمين البيان التزاماً فضفاضاً بالدفاع عسكريا عن دول التعاون.

فمثل هذا الالتزام، لم يكن يحتاج إلى قمة ولا إلى تأكيد، فالولايات المتحدة تقوم فعليا، بهذا الدور حاليا، سواء من خلال انتشار قواعدها العسكرية وأساطيلها في المنطقة، أومن خلال مشاركاتها الميدانية في الحروب التي تشهدها المنطقة منذ بداية التسعينات وحتى الآن.

الخلافات الأمريكية الخليجية لم تنشأ بسبب تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها بأمن المنطقة، فدول الخليج تدرك أن هذا الأمن مصلحة حيوية لواشنطن، لكن الخلافات نشأت حول الإطار السياسي الذي يحكم هذه الالتزامات.

فالولايات المتحدة بعد تجاربها المريرة في العراق ومن قبل في أفغانستان، بدأت تنفيذ استراتيجية جديدة قائمة على احتواء الأزمات والتعامل مع القضايا المتصلة بها، من خلال رؤية أمريكية خالصة، تبين أنها تتعارض بشكل واضح مع مصالح دول المنطقة وأولوياتها.

وكان أوضح تطور في هذا الاتجاه، الضغوط التي مارستها الإدارة الأمريكية الحالية، على الأنظمة العربية الحليفة خلال موجة ما عرف بالربيع العربي، والذي انتهى بحالة من الفوضى وعدم الاستقرار، كما تمثل هذا التطور بالمفاوضات النووية مع إيران، وما انتهت إليه من اتفاق يخرج إيران من عزلتها السياسية ويرفع عن كاهلها العقوبات الاقتصادية ويطلق يدها لاستكمال خروقاتها للمنطقة العربية ابتداءً من العراق ومرورا بسوريا ولبنان وانتهاء بمحاولة الاختراق الفاشلة في اليمن.

ولذلك فإنه وبالرغم مما يقال، فإن الاتفاق النووي مع إيران، ليس هو معضلة العلاقات الأمريكية الخليجية. فمع أن البرنامج النووي الإيراني يمثل مصدر تهديد عسكري وأمني وبيئي لها، إلا أنه لا يمثل في الجوهر، إلا الجزء الظاهر من جبل التهديدات الإيرانية المباشرة وغير المباشرة التي ظلت تتعرض لها دول المنطقة منذ وصول رجال الدين في إيران للسلطة قبل ما يزيد على 35 عاما. لتصبح طهران بعدها عنصرا من عناصر عدم الاستقرار ومصدرا من مصادر التهديد الدائم لأمن المنطقة.

وعندما صاغت دول الخليج علاقات التعاون الأمني والعسكري مع الإدارة الأمريكية، لم يكن البرنامج النووي الإيراني حاضرا بهذه القوة، ضمن أجندة تلك العلاقات، ولم يكن يشكل هاجسا تتحسب له. كانت أولويات دول المنطقة بسيطة وواضحة، هدفها منع إيران، ذات النزعة الثورية، والعسكرية، من التدخل في شؤون المنطقة أو التأثير في اختياراتها السياسية.

كان العامل الجغرافي عنصرا ضاغطا، عند صياغة تلك الأولويات، خاصة بعد أن حولت طهران نواياها لتصدير الثورة وزعزعة الاستقرار في المنطقة إلى ممارسات عملية، وإلى واقع يتطور ويتمدد على الأرض، وبعدما جعلت من المذهبية والطائفية، ستارا تتلطى وراءه لتمرير مخططات وبرامج الهيمنة على المنطقة، ووسيلة لإشاعة أجواء الفوضى فيها.

وقد فشلت إيران رغم المحاولات، الثنائية والجماعية المستمرة، في توفير التطمينات القادرة على احتواء المخاوف الخليجية، بل إن تلك المحاولات سرعان ما أصبحت مظلة للتسلل الإيراني في دول المنطقة، الأمر الذي أصبحت معه أي جهود لتحسين العلاقة مع طهران موضع شك وارتياب، ولذلك كان من الطبيعي أن تنظر دول التعاون بكثير من الحذر إلى ما آلت له المحادثات النووية.

فدول الخليج لم تكن تنظر إلى الاتفاق النووي عندما تحفظت عليه باعتباره عامل تهديد مباشر للمنطقة بل بسبب التداعيات الكثيرة التي قد تنتج عنه، فما يواجهه الإقليم بسبب القوة العسكرية التقليدية التي تبنيها إيران قد يكون أضعاف التهديد الناتج عن البرنامج النووي.

فترسانة الأسلحة التي تمتلكها طهران حاليا أو التي تحاول بناءها، تهديد يطال بدرجة أولى ومباشرة دول الخليج العربي، قبل غيرها من الدول.

وكانت دول التعاون تأمل أن يتسع الإطار السياسي للمفاوضات النووية بحيث يكون قادرا على تبديد المخاوف الخليجية في هذا الجانب، كما كانت تأمل أن تستمر العقوبات المفروضة على إيران كوسيلة ضغط تتيح إقامة علاقات متوازنة بعيدة عن التلويح بالقوة العسكرية وعن محاولات التدخل في الشؤون الداخلية للمنطقة.

لكن يبدو أن الولايات المتحدة تعاملت مع المخاوف الخليجية كمخاوف من الدرجة الثانية، وتجاهلت في كل مراحل التفاوض مع إيران أن أكثر المتضررين من البرنامج، وأكثر من يتأثر به هم دول المنطقة. وعلى عكس ما كانت تفعله مع إسرائيل التي كانت تقف أولا بأول على أجواء المفاوضات، ظل التشاور مع دول المنطقة والاهتمام بمخاوفها وهواجسها أقرب لإبراء الذمة ورفع العتب.

ولذلك فإن المقاربة التي طرحتها الولايات المتحدة بشأن الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني، جاءت مقاربة مختلفة عن تلك التي تطرحها دول الخليج.

فالولايات المتحدة تعطي إيران عبر الالتزامات الواردة في الاتفاقية ما يشبه شهادة حسن سلوك. في حين أن دول الخليج التي ترى يد إيران ملوثة في أكثر من مكان في الشرق الأوسط، تجد فيها جواز مرور يوفر الموارد والإمكانيات لطهران لتعزيز عبثها بأمن المنطقة واستقرارها وعامل تشجيع للإمعان في تدخلاتها بالإقليم.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك