الأبنودي باحثاً !!..

الأبنودي باحثاً !!..

نجم عبد الكريم

الفجيعة في رحيل الشاعر عبد الرحمن الأبنودي جعلت الذين رثوه يركزون عليه كشاعر فقط ، إذ من النادر أن يُشار إليه كباحث تاريخي وبالذات ( في السيرة الهلالية ) ، وعندما سألته يوماً :

نحن أمام عبد الرحمن الأبنودي ، لابد لحوارنا معه أن يتجه نحو طريقين ، الأول أبنود في الصعيد ، والثاني لندن .. ففي أي من هذين الطريقين نبدأ مسيرة الحوار ؟

– هو يعني يا أبنود ، يا لندن ؟ .. أين القاهرة ، وأين هذا العالم الواسع الذي سافرت إليه ؟..

لأن في أبنود نبدأ مع الشاعر ، وفي لندن نبدأ مع الباحث !!..

– ما الباحث والشاعر كلاهما يخرج من عباءة المفكر أو الأديب ..

اذاً سنبدأ بلندن التي أقمت فيها لسنوات .. هل لنا أن نعرف السبب ؟

– أولاً : صارت لندن بالنسبة لي أبسط من قريتي أبنود، لأنني ذهبت فيها الى أماكن لم يعتد العرب زيارتها .. والحقيقة أن فترة اغترابي الى انجلترا كانت مشتركة ما بينها وبين تونس حيث كنتُ أُعدُّ دراستي عن السيرة الهلالية .. وكان في تونس الاستاذ ( طاهر كيكة ) – رحمه الله – ومن خلال موقعه كوكيل لوزارة الثقافة التونسية، وشاء القدر أن يكون والده ممن عملوا وخاضوا في السيرة الهلالية، فكان متحمساً للتعاون معي وسهَّل لي الكثير من الأشياء في معرفة تضاريس تونس وجغرافيتها وقُراها الصغيرة وأطرافها البعيدة، فكنت أقضي فيها أشهراً في الصيف لجمع المعلومات ثم أذهب إلى إنجلترا ، وكان لي هناك صديقٌ يرعاني ويحدب عليَّ هو الكاتب الكبير ( الطيب صالح ) ، وكنت موزعاً بين محبين وكلاهما يغير من الآخر ، كيكة يغير من الطيب ولندن ، والطيب يغير من كيكة وتونس ، وكنت أقضي بين هذين المكانين معظم أشهر السنة منغمساً من رأسي حتى أخمص قدميَّ ، بل غائصاً ( حتى شوشتي) بالسيرة الهلالية التي أنجزتُ منها سبعة أجزاء ، وما زلت مستمراً فهي لا تنتهي .. وأستطيع أن أقول بكل فخر : إنّ دراستي لهذه السيرة تُعدُّ الأكثر اقتراباً من أحداثها الحقيقية بعد أن اختلطت فيها الكثير من المبالغات والخرافات التي خضعت مع مرور الزمن للمخيال الشعبي.

* * *

رحم الله الأبنودي الشاعر ، والباحث ، والمثقف الذي ترك مدرسة من الشعر الملتزم بقضية الانسان فكرياً ، وعاطفياً ، وسياسياً !!..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة