خطف المطرانين نموذج لاخفاء المسيحية المشرقية؟

خطف المطرانين نموذج لاخفاء المسيحية المشرقية؟

 مارلين خليفه

تحلّ هذه الأيام الذكرى الثانية لاختطاف جماعات إرهابية لمطراني حلب بولس اليازجي ويوحنّا ابراهيم، وسط تضارب المعلومات الضئيلة حول مصيرهما، وتلكؤ رسمي لبناني وعربي ودولي في إيجاد أجوبة على هذه العملية التي لم تتبناها أية جهة.

وباستثناء ”البشرى“ التي أعلنها وزير الداخلية والبلديات اللبناني نهاد المشنوق للمتضامنين مع المطرانين في الحفل الذي نظمته ”الرابطة السريانية“ والمتمثلة بأن ”الأخبار الجيدة عنهما أكثر من السيئة“ لا يحوي ملفّ المطرانين على أي تفصيل.

فهل ذهبا شهيدين جديدين للكنيسة المشرقيّة؟ أم أنهما حيّان يصليان لكي يلهم الله خاطفيهما الرحمة لإطلاق سراحهما؟

لا جواب عن هذين السؤالين، كما لا جواب عن الحراك الدولي والعربي لتحرير المطرانين. تفتح هذه القضية الباب مجددا لطرح مسألة المسيحيين في المشرق الذين هجرتهم النزاعات المذهبية والحروب الإقليمية وخصوصا من مناطقهم التاريخية أي سوريا والعراق.

ولم يتبقّ من مساحة ينعم فيها المسيحيون بدور وحضور فاعل إلا في لبنان حيث كان لهم دور تأسيسي للكيان اللبناني مع الدروز وجابهوا كلّ مخططات إزالة هذا الكيان.

ولعلّ حفاظ المسيحيين اللبنانيين على دورهم يعود الى رفضهم الذوبان وتجذرهم في أرضهم، وشخصيتهم العصيّة على الطغيان والإستعباد، وطباعهم المقاومة التي صقلتها الحروب والغزوات فاعتمد هؤلاء على سواعدهم وعاشوا في الجبال أعواما في حقبات الإضطهاد، لكنهم لم يستسلموا يوما.

وما يميز هؤلاء منذ تاريخهم البعيد حرصهم على العيش المشترك في مجتمع غير متجانس دينيا حتى حين كانوا الأكثر عددا في الماضي، فقد تشبثوا بأن لا تطغى فئة على أخرى بالرغم من تمتعهم بحصانة الفرنسيين والعديد من الدول الأوروبية.

وبالرغّم من انهزامهم في الحرب التي انتهت عام 1989 باتفاق الطائف الذي تحوّل دستورا للبلاد، فإن هذا الإتفاق على ما فيه من علل كرّس العقلية المسيحية بتكريسه مبدأ ”التساوي بين المسيحيين والمسلمين“ في المجلس النيابي بغضّ النّظر عن العدد.

وسط العواصف الإقليمية، والإضطهاد الذي يتعرض له المسيحيون في مهدهم، (وهو بطبيعة الحال لا ينفي الإضطهاد الذي يتعرض له أيضا الإعتدال المسلم) لا بدّ من إعادة إحياء النموذج اللبناني الذي جعل للبنان خصوصيّة حكى عنها البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني الذي قال ”أنّ لبنان هو أكثر من بلد إنه رسالة.“

في هذا الإطار يستذكر الوزير السابق ميشال إدّه في محاضرة له الوقفة التاريخية لبطريرك الموارنة الراحل بولس المعوشي التي تجلى فيها حرصه على الخصوصية اللبنانية، وذلك في خطابه الشهير الذي ألقاه أمام الرئيس جمال عبد الناصر بدمشق مشددا فيه على المحافظة على استقلال لبنان ووحدته، وهو البلد الذي تتعايش فيه وتتفاعل- على حدّ قوله- شتّى الأديان. وكان هذا ردّا على ما أسماه الزعيم الدرزي كمال جنبلاط: ”ميولا ضارّة وخطرة للغاية“ ظهرت في أوساط إسلامية دعت حينها لانضمام لبنان الى دولة الوحدة التي أعلنت في 8 شباط (فبراير) 1958 بين سوريا ومصر في عزّ أوج المدّ القومي الوحدوي.

وهذا ما عزز فكرة عدم وجود أي تعارض بين ”فكرة لبنان المستقل والفكرة العربية“.

بالعودة الى غياب المطرانين المخطوفين منذ عامين، فهو يسجّل نقطة سوداء في تاريخ التعايش في سوريا وأخرى للبنانيين والعرب الذين يصمتون على هذه الجريمة ضد الإنسانية وكأنها ”حادث سير“ كما عبّر رئيس الرابطة السريانية حبيب افرام، إذ يبدو أن ثمة من يسعى عبر خطف الأسقفين الى خطف النموذج المسيحي التعايشي في الشرق.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com