حنّا مينة.. ”الحديدة التي تفلوذت بالنّار“

حنّا مينة.. ”الحديدة التي تفلوذت بالنّار“

المصدر: وئام غداس

كلّما سألني أحد عن أول كتاب أثّر بي، تذكّرت فوراً ”الشمس في يوم غائم“، في سنّ الرابعة عشرة كان من الصعب فهم رواية مماثلة، لم أكن أعرف حتى من هو حنا مينة، لكن عليّ أن لا أنكر ما لن أنساه طيلة حياتي، لقد خلت نفسي قد عثرت على كنز حقيقي.

الشاب الأرستقراطيّ ينزل أدراج البرج العاجي ليقف بقدمين شجاعتين على الأرض، أرض الحقيقة المخزية حيث الفقر المدقع والجوع والتهميش، وأيضاً حيث المومسات اللواتي يأكلن من أجسادهنّ، عاشر الخياط وتعرّف على قصصه وفي بيته الفقير تعلّم ما جعله يُخلق من جديد، ما جعل روحاً أخرى تدخل في روحه، إنها رقصة الخنجر، التي أداها ببراعة منقطعة النظير أمام جمع غفير من الناس، رقصة الخنجر التي وصلت أنباؤها إلى أهله وجلبت غضبهم وسخطهم، الرقصة التي في خضمها خرجت صورة الجنيّة، لمعت ابتسامتها، أحبّها وهي محض خيال وتتبّعها بوقع أقدامه التي تضرب الأرض، رقص كثيرا كأنما يختال بين الحقيقة والحلم، إنّها الحياة التي طالما طمح إليها، حياة لا تمت بصلة لحياة الثراء والرتابة التي كان يعيش، وقد تكبّد بسببها خطورة رقصة الخنجر، لكنها خطورة المغامرة الممتعة، المغامرة التي أوصلته أيضاً إلى ”إمرأة القبو“ مثلما سماها حنا مينة، المرأة التي يعرّي من خلالها الكاتب واقعاً آخر يفرضه الفقر وهيمنة الطبقات الأرستقراطية، واقع المومسات.

هكذا اذن كان بطل حنا مينة في رواية ”الشمس في يوم غائم“، بطل لا يختلف كثيراً عن باقي أبطاله الروائيين في كلّ أعماله، أبطال واقعيين غايتهم الأولى الاحتجاج على الظلم والفروقات داخل المجتمع الواحد، والقدرة على الثورة على الواقع وانتقاده، وتكسير البُنى التقليدية.

”البطل“ في روايات حنا مينة يدافع عن الحقّ والعدالة دفاعاً شرساً مثلما يُمليه الواجب الإنساني وأيضاً مثلما تُمليه ”الرجولة“، الرجولة ليس بمفهومها البيولوجي أو التشريحي وإنما من حيث هي تبلور للتشدّد الأخلاقي مع الذات إزاء المجتمع، إنّها النضال المستميت ليظلّ الرجل رجلاً، في مواقفه وكلامه وأيضاً في حربه الدائبة مع مجموعته ضدّ العدوّ، هذا العدوّ يختلف بين رواية وأخرى، لكن بطل حنا مينة يكون دائما على رأس المواجهة ذائداً عن الحق حتى الرمق الأخير، هكذا تتحوّل الرجولة إلى ايديولجيا قائمة بذاتها في أدب حنا مينة.

شيخ الرواية العربية وأحد أهمّ ركائزها، نذر ذاته الإبداعيّة للنضال من أجل العدالة الإجتماعية حنّا مينة (16 أبريل 1924)، الخارج من بؤرة الفقر ”حي المستنقع“، الجهل والبؤس والتهميش عاش حياة معذّبة كسائر محيطه وأمكنه تصوريرها بأمانة، معرّياً المجتمع، خوره وسوءاته، بأداة الإنسان وحيداً عارياً إلا من ضعفه البشري أو عبر المجموعة ككلّ، حتى تبدو للقارئ كثيرة من صوره صادمة مثلما يكون انعكاس الحقيقة غالباً، لكنه انعكاس فنيّ للتجربة الإنسانية إثر اختمارها داخل الذات الإبداعية هكذا تحدّث كاتب الواقعية عن واقعية أدبه.

 يقول: ”لقد تقضى العمر في حلقاته المتتابعة بشيء جوهريّ لدي هو تحقيق إنسانيتي، من خلال تحقيق إنسانية الناس، أنفقت طفولتي في الشقاء، وشبابي في السياسة ولئن كان الشقاء قد فُرض عليّ من قبل المجتمع فعشتُ حافيا عاريا جائعا محروماً، فإن السياسة نقشت صورتها على أظافري بمنقاش الألم فتعلّمت مبكرا كيف أصعّد الألم الخاص إلى الألم العام، وكيف أنكر ذاتي وأنتصر على رذيلة الأنانية، وكلّ إغراءات الراحة البليدة، فكان الإنسان بداخلي إنساناً تواقاً إلى ما يريد أن يكون، لا ما يراد له أن يكون“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com