اتجاهات

التنازلات المستحيلة في أزمة أوكرانيا
تاريخ النشر: 07 مارس 2022 11:13 GMT
تاريخ التحديث: 07 مارس 2022 13:15 GMT

التنازلات المستحيلة في أزمة أوكرانيا

على الرغم من الأثر الهائل المتوقع للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية على روسيا، فإن من الصعب تصور أن هذه العقوبات وحدها يمكن أن تحقق التوازن الذي

+A -A

على الرغم من الأثر الهائل المتوقع للعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الدول الغربية على روسيا، فإن من الصعب تصور أن هذه العقوبات وحدها يمكن أن تحقق التوازن الذي يخلق قاعدة تفاوض مقبولة للطرفين، تصل بالأزمة الأوكرانية إما إلى حلّ يجبر روسيا على الانسحاب العسكري من المناطق التي دخلتها في أوكرانيا، تخلصًا من قسوة العقوبات، وإما إلى مرونة غربية تؤدي إلى تخفيف المقاطعة الاقتصادية والمالية المفروضة على موسكو، استدراجًا لتنازل روسي.

الغرب يرى في السكوت عن التحركات العسكرية الروسية، والقبول بالشروط السياسية التي تطرحها موسكو لحل الأزمة، رضوخا لمطامع روسية، قد لا تكون أوكرانيا محطتها الأخيرة، وإنما نقطة انطلاق لمحطات أخرى في أوروبا، أو حتى بداية لاستعادة روسيا لأمجادها القيصرية، أو للهيمنة السوفياتية السابقة بنكهة جديدة.

ولذلك فإن الغرب والدول الحليفة له من خارج المنظومة الغربية، يرى في الخطوة العسكرية الروسية تهديدا أمنيا، لا يجب التهاون معه، لأنه يعيد إلى الأذهان الثمن الباهظ الذي دفعته أوروبا لتهاونها مع التوسع النازي الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الثانية.
روسيا تورطت في أوكرانيا وقد تدفع ثمنا باهظا لورطتها، لكنها لاعتبارات كثيرة لا تعتبر هذا الثمن اختيارا، يمكن التراجع عنه، أو المساومة عليه، وإنما هو ضريبة لا تستطيع الإفلات منها، في ظل التباين الشديد بين الحد الأقصى الذي قد تعرضه موسكو، وبين الحد الأدنى الذي تقبل به المجموعة الغربية، كمخرج للأزمة.
سقف التنازلات الروسية في المفاوضات والاتصالات الدبلوماسية الحالية، أقل كثيرا مما يمكن أن تقبل به الدول الغربية، خاصة وأنها تطرح تواجدها في الأراضي الأوكرانية، كجزء من الأمن القومي الروسي، الذي لا يمكن أن تساوم عليه، أو تقبل بحلول وسط بشأنه.

وعندما تستحضر موسكو هذه الموازنة بين مصالحها الاقتصادية وأمنها الوطني، فإنها تستحضر أيضا تاريخا من التوتر في العلاقات بين الشرق والغرب، وهو تاريخ ترك هوة واسعة بين الجانبين، وحالة شك عميقة، لم يستطع الطرفان ردمها، والبناء عليها، رغم جهود التقارب، والاتفاقات السياسية والأمنية التي وقعت بين الجانبين قبل وبعد الحرب الباردة التي ظلت مستعرة بينهما عدة عقود، قبل أن ينهار الاتحاد السوفياتي السابق، ويعترف بهزيمته ويتخلى عن طموحاته التقليدية كقوة عظمى.

في لعبة عض الأصابع الجارية بين الطرفين، تضع روسيا أمنها الوطني في الميزان؛ أمنها الوطني وهيبتها في كفة، والصعوبات الاقتصادية والمعيشية التي سيعاني منها الشعب الروسي في الكفة الأخرى. ومن غير المتوقع ترجيح كفة المعاناة الاقتصادية على كفة الأمن الوطني الذي يبدو أن الرئيس فلاديمير بوتن قد نجح في تسويقه شعبيا كمبرر وذريعة لغزو أوكرانيا.

أما الغرب فإنه يدخل اللعبة وهو يعلم أن نجاح روسيا في أوكرانيا هو نجاح عسكري فقط، ولن يصل إلى حد تحقيق نجاح إستراتيجي إن  هي دفعت ثمنا سياسيا واقتصاديا باهظا، وهو ما تسعى إليه الدول الغربية من خلال حشد عقوبات قاسية قد لا يكون لدى موسكو القدرة على مواجهتها، أو على الأقل ستدفع ثمنها على شكل تراجع حاد في خططها لتحديث اقتصادها، وتطوير آليات له يجاري من خلالها الاقتصادات العالمية.

حتى الآن لا يبدو أن أيّا من الطرفين على استعداد للتنازل، وقد نحتاج إلى وقت أطول مما هو متوقع قبل أن نرى أيّ انفراج. فالروس ما زالوا يعولون على آلتهم العسكرية لفرض واقع ميداني يتيح فرض الشروط، أو على الأقل التفاوض من موقع قوة، فيما الغرب يراهن على العقوبات الاقتصادية حتى وإن لم تتفاعل بعد بالدرجة التي ينتظرها، وما زال يأمل في أن تؤدي مع مرور الوقت إلى رفع روسيا الراية البيضاء.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك