اتجاهات

موسكو تحسم الحرب الدبلوماسية بعمل عسكري
تاريخ النشر: 23 فبراير 2022 14:04 GMT
تاريخ التحديث: 24 فبراير 2022 10:30 GMT

موسكو تحسم الحرب الدبلوماسية بعمل عسكري

تاج الدين عبد الحق حسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحرب في أوكرانيا قبل أن تبدأ، وقبل أن تجف بيانات التهديد والوعيد الغربية التي كانت تحذر موسكو من عسكرة

+A -A

تاج الدين عبد الحق

حسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحرب في أوكرانيا قبل أن تبدأ، وقبل أن تجف بيانات التهديد والوعيد الغربية التي كانت تحذر موسكو من عسكرة الأزمة الأوكرانية، ومن تجاوز الحدود الضابطة لها، بشقيها الدبلوماسي، والميداني.

والمفاجأة في الحسم الروسي أنه لم يكن مناورة سياسية، فهو لم يترك فرصة للتراجع، أو التنازل، وفرض نتائج على الأرض يصعب تجاوزها، وآثاراً مادية ليس من السهل تغيير مفاعيلها الجيوسياسية، لا في المدى المنظور، ولا في أية ترتيبات طويلة الأمد مستقبلاً، إن على صعيد العلاقة مع الجار الأوكراني، أو على مستوى العلاقة المستقبلية بين الشرق والغرب.

الرئيس بوتين حسم الخلاف في الأزمة الأوكرانية، لا كمواجهة مع الغرب، بل انتصاراً لما اعتبره قضية وطنية، تتعلق بهيبة روسيا الاتحادية وأمنها الوطني، وكان ذلك واضحاً قبل العمليات العسكرية الروسية عبر الحدود، حيث مهد لهذه العمليات بالعرض التاريخي المستفيض لعلاقة بلاده بأوكرانيا، ومدى الترابط والتداخل بين البلدين، لا في المصالح فقط، بل في الجغرافيا والتاريخ.

ولذلك، لم يكن قرار اعتراف الرئيس الروسي بالمنطقتين الشرقيتين المنفصلتين عن أوكرانيا، ”دونيتسك“ و“لوغانتسك“، نوعاً من التصعيد الروسي للأزمة مع الغرب، ولكنه كان في جوهره وضع حدود دنيا عملية لما يمكن أن تتفاوض عليه موسكو لاحقاً.

ومنذ أن أعلنت موسكو اعترافها بالجمهوريتين الجديدتين، لم تعد المطالبات الغربية لروسيا بالامتناع عن التدخل العسكري في أوكرانيا، وعدم معارضة انضمامها لحلف الناتو، مطالبات واقعية، وهي في أحسن الأحوال جعجعة إعلامية، أو محاولة بائسة لحفظ ماء الوجه، وليصبح التلويح الغربي برد عسكري، هو الأمر غير الواقعي، وغير الممكن.

وحتى على مستوى العقوبات الاقتصادية والمالية، فإن هذه العقوبات، حتى لو أحدثت التأثير الذي تأمله واشنطن وحليفاتها، فإنها لم تعد تتناسب فعلياً مع حجم الإنجاز الروسي، علماً بأن مختلف التقارير تشير إلى أن هذه العقوبات حتى بالمدى الذي يجري الحديث عنه، لن يكون لها ذلك التأثير الذي يدفع روسيا للتراجع عن إنجاز استراتيجي وأمني كبير، جعل من أوكرانيا بين عشية وضحاها، منطقة أمنية عازلة لا يمكن للغرب حتى التفكير باختراقها والنيل منها، ليكون مصيرها كمصير القرم، الذي هضمته موسكو رغم العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليها، دون أن يكون لتلك العقوبات أثر فعلي على الموقف السياسي والاستراتيجي الروسي الذي لم يتغير أو يتبدل.

وبخلاف النتائج الميدانية المباشرة للخطوة الروسية على مسار الأزمة، فإن الدب الروسي وضع الغرب في امتحان قاس على صعيد وحدته الداخلية، وهز فاعلية التحالف الأوروبي الأمريكي في مواجهة الطموحات الروسية؛ فقد أظهرت الأزمة حتى الآن نوعاً من التفاوت الواضح بين الموقفين الأوروبي والأمريكي بشأن الأولويات التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في التعامل مع موسكو.

ففي الوقت الذي تركز فيه أوروبا على مخاوفها الأمنية ومصالحها الاقتصادية واحتياجاتها من الطاقة التي توفر معظمها روسيا، فإن الولايات المتحدة أخذت تتخوف بجدية من أي دور دولي روسي في ظل تصاعد خلافات واشنطن مع الصين.

ولذلك، فإن واشنطن حاولت جر أوروبا إلى المشاركة بعقوبات قاسية على موسكو، لا بهدف حل الأزمة الأوكرانية فقط، بل للجم وتحجيم الدور الروسي الدولي، ووضع عراقيل في عجلة التقارب الروسي الصيني أيضاً.

كذلك، فإن روسيا بخطواتها الحازمة والحاسمة في أوكرانيا، وضعت علاقات واشنطن الدولية موضع اختبار فعلي، حيث أخذت أصداء التردد الغربي في مواجهة الإجراءات الروسية، تسمع في كثير من الدول الحليفة لواشنطن، خاصة في الشرق الأوسط، لتعكس مخاوف هذه الدول المتزايدة من تراجع الإرادة الأمريكية في دعم حلفائها، وفي نفس الوقت التشكيك في فاعلية الدور الأمريكي وقدرة واشنطن الفعلية على إدارة صراعاتها بما يتناسب مع مكانتها كقوة عظمى.

وبموازاة ذلك، لابد أن هناك مَن يرى في التردد الأمريكي حيال الأزمة الأوكرانية سابقة يمكن القياس عليها في المواجهات القائمة بين واشنطن وقوى إقليمية أخرى.

هذه القوى يمكن أن تتصلب الآن في مواقفها، لأنها ستجد في المواجهة الحالية بين واشنطن وحلفائها من جهة، وموسكو من جهة ثانية، إحياءً لقطبية ثنائية جديدة، تنعش آمالها لخرق جدار الحصار الذي يطوقها حالياً، وللانعتاق من جو العزلة السياسية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية القاسية، حيث إن اتساع دائرة الدول التي تخضع لعقوبات غربية يخلق فرصة لبناء تحالف اقتصادي مواز، ومناهض، يفتح قنوات تعاون اقتصادي بعيداً عن مرمى تلك العقوبات.

خلاصة القول أن الاجتياح العسكري الروسي لأوكرانيا أعاد خلط أوراق كثيرة، لا يمكن فرزها وترتيبها من جديد، إلا إذا تغيرت المعادلات الحالية القائمة، واستعاد العالم التوازن الذي أفقده القدرة على حل الأزمات بعيداً عن المواجهة والتهديد.

هذا المقال يعبر عن رأي الكاتب ولا يعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة إرم نيوز

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك