السينما…حياة حقيقية متخيلة!

السينما…حياة حقيقية متخيلة!

عائشة سلطان

كلما أبديت رغبتي في الذهاب للسينما تسألني أمي متى ستتوقفين عن هذا العبث، اعملي شيئا أكثر فائدة بالله عليك – تتوسلني– كمن تريد أن تزحزحني بالقوة كي لا أقع من علو شاهق، محاولة تخفيف وقع كلمة السينما عليها أشرح بشكل طفولي لا يروق لها ما هي السينما: أمي السينما ليست سوى تلفزيون كبير جدا وبدون أسلاك كثيرة كهذه التي تتدلى من تلفزيوننا الذي في غرفة المعيشة، تنظر إلي بريبة وبعين تلتمع بالفرح المتوجس: هل إذا اختفت هذه الأسلاك البائسة تتوقفين عن الذهاب للسينما؟ أقول ببساطة: لا، كنت أحاول أن أقنعك بالذهاب معي إلى ذلك الصندوق الكبير بلا أسلاك!!

هذا الحوار كان غالبا ما يحدث بيني وبين أمي حين أقرر في أحد المساءات أن انسل من البيت لأندس في ظلمة قاعة السينما، لأجل أن أعيش حياة حقيقية متخيلة أحلم بها دائما دون أن اعثر عليها، حياة تحكيها ميريل ستريب بأناقة أو جوليا روبرتس بدفء أو جوليان مور بارستقراطية محببة، هذه المرأة التي ابدعت العيش في عقل إمرأة قاربت على فقدان ذاكرتها في فيلمها الأخير الرائع!

في اليوم الذي يعقب ذهابي للسينما أجلس مع أخوتي ووالدتي على مائدة الغداء وأصير أحكي بلا توقف عن ذلك الفيلم بدون توقف، اكون ممتلئة بالبهجة وفي كامل أناقني النفسية، تفعل السينما بي فعل السحر، تريني الحياة التي لا أعيشها، المدن، النساء الرائعات، الرجال الوسيمين، الشوارع، فتيان العصابات الذين لا أعرف كيف يتحدثون وكيف يدخنون سجائرهم ويحبون نساءهم، الأشياء السخيفة التي تجعل الرجال يضربون نساءهم في البيت وأمام أجهزة الكمبيوتر يهنئون صديقات الفيسبوك بيوم المرأة العالمي، السينما ليست حياة متخيلة، السينما حياة حقيقية مستلبة أو ضائعة أو مجهولة بالنسبة للكثيرين منا!

سألت والدتي يوما لماذا تكره السينما؟ قالت (يقولون إنها تعرض أشياء لا أخلاقية، نساء عاريات ومناظر خليعة) قلت لها أنت أيضا تكرهين الأغاني؟ قالت نعم إنها حرام! ذكرتها أن أبي كان يصرخ فينا يوم كنا صغارا، وأحيانا يطردنا من البيت لحظة تحين حفلة السيدة أم كلثوم، وأبي كان لا يفارق الصلاة في المسجد وقراءة القرآن، فهل كان أبي يستمع للحرام؟ كانت تسكت!

حين أحاول أن أشرح لأمي مكانة هؤلاء الذين يشكلون نجوما حقيقية ليس في السينما فقط ولكن في حياة مجتمعاتهم، كان بعض اصحابي يصرخ بحماس: ليس علينا أن نتمادى في الترويج لهؤلاء الداعرين، لا أدافع عن أحد، هذه ليست مهمتي، لكنني أقول لأمي بأن كثير من هؤلاء يدافعون عن قضايا الإنسان في كل العالم وبجدية، ويقودون حملات توعية ويتبرعون لصالح قضايا جوهرية كالبيئة واللاجئين والتمييز و….إن بعض الأفلام العالمية اعتبرت علامات مضيئة في تاريخ السينما، كما أحدثت تحولا في الأفكار والتوجهات الإنسانية في العالم.

فيلم ”الشك“ الذي كررت مشاهدته أكثر من مرة لا يزال ماثلا في مخيلتي بذلك المشهد العظيم حين وقف الخوري يعظ الناس في الكنيسة حول الشك “ تقول المرأة للقسيس أريد أن اكفًر عن خطأي لأنني أشعت عن فلان أمراً أساء إليه فماذا أفعل كي أتراجع عن تلك الاشاعة؟ يقول لها خذي مخدة ريش واعتلي أعلى بناء في المدينة ومزقي المخدة ودعي الريش يتطاير واحضري إلي “ حين حضرت إليه فرحة معتقدة أنها تخلصت من إثمها سألته هل انتهى الأمر، قال لها سينتهي إذا تمكنت من التقاط كل ريشة تطايرت في المدينة واعدتيها إلى كيس المخدة، هكذا الإشاعة “ كان منظر الريش وهو يتطاير وصوت الموعظة عظيما كعظمة الحياة الحقيقية المتخيلة!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com