الصحافة تتحوّل إلى مهنة ”للبلطجيّة“

الصحافة تتحوّل إلى مهنة ”للبلطجيّة“

مارلين خليفة

تتغيّر البيئة الصّحافيّة في لبنان بشكل مخيف ينذر بانحطاط غير مسبوق في تاريخ مهنة رسمت صورة لبنان كمختبر للحضارات وللتنوّع وللكلمة الحرّة.

فعدا الأزمة المالية التي تعصف بالإعلام التقليدي من صحف وتلفزيونات وإذاعات بسبب شحّ الموارد الإعلانيّة وعدم القدرة على إنتاج ضخم يحقق المكاسب، وعدا عن تفشي ظاهرة الإعلام الإلكتروني بشكل مطّرد، فإنّ المعايير المهنيّة والأخلاقيّة لهذه المهنة الشريفة بدأت تمحى وتزول تدريجيّا بسبب تحوّل الصحافيين الى أدوات وليس الى قادة لرأي العام.

ما يحدث في لبنان ينذر بتحوّل هذه المهنة من مهنة للمبدعين والكتّاب والرسّامين والمصوّرين الى مهنة لأصحاب العقول ”المبدعة“ بالدخول في تركيبات تحقق لهم المكاسب السياسية والماليّة، وتجعل من الصحافي مشروع ”عامل“ لدى القوى السابقة الذّكر، وتحيل مهمّته الرئيسيّة الى حاجب للحقيقة عوض أن يكون كاشفا لها.

ما يشعر به رعيل غير قليل من الصحافيين الذين عرفوا المهنة منذ أعوام أنّ بعض الجيل الصحافيّ الصاعد لا يدرك الصح من الخطأ في المهنة وأصولها وأخلاقياتها التي تجعل منها سلطة رابعة، فإذا ببعض الممارسات تجعل منها مهنة ”للبلطجيّة“ أي الذين يمارسون البلطجة السياسية والفكرية في كتاباتهم وفي سلوكهم اليوم، ويبدو بأنّ هؤلاء يكسبون مساحة في معظم المؤسسات الصحافية والإعلامية اللبنانية ما يفسّر بوضوح ضحالة المادّة الصحافية والإعلاميّة التي تقدّم للقارئ أو للمشاهد.

صار السّبق الصحافي هو الهدف من دون الإلتفات الى التدقيق والتأكد من المعلومات، وصار نشر معلومة غير صحيحة أو مجتزأة من سياقها تستدرّ التصفيق والدهشة من جمهور لا يتابع الوقائع الحقيقية، وصار تحكّم حفنة من المرتزقين عند أبواب الأقوياء هو المعيار.

في المقابل، بات من يدقق في معلومة تصله مرذول، ومن يحترم خصوصيات الناس ولا يلجأ الى تظهير معلومة تسيء اليهم وخصوصا من دون أخذ رأيهم فاشلا، ومن يلتزم قواعد ومعايير المهنة وقواعد الكتابة أهبلا… ومن يفتّش عن الحقيقة في أيّ موضوع عميلا…

في الماضي قرأنا كتبا لغسان تويني ولطلال سلمان وسواهما من عمالقة الصحافة اللبنانية عن مضامين اجتماعات التحرير لعمالقة كبار كانوا صحافيين ومثقفين في الوقت عينه. ومن الأمثلة التي تحضرني سلوك الشاعر الكبير الراحل أنسي الحاج الذي تولّى رئاسة تحرير صحيفة ”النهار“ اللبنانية لأعوام، كان هذا العملاق يستأذن صحافيا متدرّجا قبل أن يدخل أيّ تعديل بسيط الى مقالته، وكان يطلب صحافيّا الى مكتبه ليناقشه في تعبير لغويّ للتأكد من أنه لا يعدّل النص بطريقة غير ملائمة لا تتوافق مع السياق الذي يراه المحرّر.

أما الحديث عن الراحل جوزف سماحة الذي تولى رئاسة تحرير صحيفة ”السفير“ لأعوام قبل تأسيسه لصحيفة ”الأخبار“ فإنّ سرد القصص عنه لا تنتهي، فهو كان يعكف على البحث عن مواضيع وأفكار للمحررين ويقدّمها لهم طالبا بلورتها في تحقيقات أو مقالات أو مقابلات أو تقارير ”بحسب ما يرونه مناسبا“، محترما خبرة كلّ صحافيّ ومكانته.

في زمن الصحافة الجميل، لم يكن من مجال لخلط المعايير، فكانت الفوارق واضحة بين ”الخبر“ و“التحليل“ و“التعليق“، وكان تنبّه الى أثر ”الكاريكاتور“ وسلاح ”الصورة“ وتنبّه الى عدم الخلط بين النقد والتشهير أو التحقير، وكانت مدرسة لسعيد فريحة تقول:“ في النقد يمكن أن تجرح من دون ان تسيل الدّماء“ ، ومدرسة أخرى لطلال سلمان تقول أننا كصحافيين ”نشتغل عند القارئ وليس العكس“.

هذا الزمن الجميل يتحوّل اليوم الى مسخ، بسبب وفود صحافيين يخبئون المعايير بسلال مصالحهم المتناقضة، ويحوّلون الصحافي الى ”ساعي بريد“ أو الى ”بلطجيّ“ يذكّر بالبلطجية الذين كتب عنهم نجيب محفوظ في كتابه الشهير ”أولاد حارتنا“.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com