محشي ورق العنب بين السيسي وبوتين

محشي ورق العنب بين السيسي وبوتين

محمد الغيطي

المحشي طعام مصري شهير وأكلة شعبية بامتياز وهو أنواع عديدة تحتوي على نوع الحشو الداخلي وقد يكون أرزا او لحما او أرز باللحم ومنه محشي الكرنب او الكوسة أو الباذنجان أو ورق العنب والأخير كان الطبق الرئيسي على مائدة السيسي وبوتين في المطعم الدوار أعلى برج الجزيرة في قلب القاهرة، السؤال هنا هل لنوع الطعام أو المكان الذي تم تناوله دلالة ما؟

أعتقد أن اختيار طعام مصري شعبي له دلالة كبيرة تحمل معنى الهوية المصرية خصوصا ان المحشي كان بجواره الكفتة الوطنية المصنوعة على الفحم والخبز المصري الأسمر بأنواعه والذي عرفه المصريون منذ الفراعنة وتحدث عنه هيرودوت في كتابه عن مصر، والمؤكد أن بوتين أعجبه الطعام وحسب تصريح العميد يسري جرجس مدير إدارة برج القاهرة فإنه أثنى على الطعام وقال إنه أكل المحشي المصري وسيطلبه على مائدته في روسيا وعلى طريقة المصريين بعد الطعام شرب بوتين الشاي بالنعناع أي (حبس بالشاي ) حسب التعبير المصري .

ودلالة المكان هنا لاتحتاج لتفسير لأن برج القاهرة أحد مظاهر التعاون المصري الروسي في العهد الناصري بل كان تحديا للامريكان الذين ضغطوا على البنك الدولي لسحب دعمه لبناء السد العالي وأخذ عبد الناصر أول دفعة من البنك وأمر ببناء البرج ليكون شاهدا على تحدي الامبريالية الامريكية ثم شرع في الاتجاه لروسيا لبناء السد العالي واتجه لتأسيس جبهة دول عدم الانحياز ليضرب بها احتكار امريكا والغرب وسطوتهم في ظل انحياز هم المستفز لاسرائيل .

اذن السيسي أراد أن يقول للعالم إن علاقة مصر بروسيا قديمة ومفيدة للطرفين ولذلك حضر الزعيمان فيلما تسجيليا في دار الأوبرا المصرية مدته خمسون دقيقة يحكي فصول وعمق العلاقة وعرضت فرقة باليه الأوبرا أمامهما بالية بحيرة البجع والطريف أن الفرقة المصرية نتاج مدرسة البالية المصرية الروسية منذ الستينات بل إن معظم الفنون الرفيعة في مصر نشأت على أيدي أساتذة من الروس وقد ذكر ذلك بالتفصيل في مذكراته الدكتور ثروت عكاشة مؤسس نهضة الستينات الثقافية.

والأدباء المصريون يفخرون أنهم تاثروا بالأدب الروسي وكان للراحل العظيم يوسف إدريس الذي أطلق علية النقاد بوشكين العرب كرائد للقصة القصيرة يقول إننا نعشق السوفييت لأن أدبهم وإبداعم الفني يعلي قيمة الإنسان رغم نقدنا للحزب الواحد لكننا نكره الثقافة الامريكية لانها تصدر لنا الاستهلاك وغرور الكاوبوي الامريكي

إذن وجود بوتين في الأوبرا المصرية كان له عظيم الأثر في نفس بوتين وقال في المؤتمر الصحفي أنا في بلد الحضارة والثقافة ..،لكن المصريين يترقبون من بوتين ماهو أكثر من ذلك وبالتحديد المردود الاقتصادي والمادي

والحقيقة أن نتائج المباحثات الثنائية جاءت فوق توقع المراقبين وأهمها الدعم الكامل من روسيا لمؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي واتفاق الزعيمين على إنشاء منطقة صناعية مصرية روسية على محور قناة السويس الجديد وكذلك إنشاء محطة الضبعة النووية بخبرة روسية ورأسمال مشترك وتصل تكلفتها لسبعة مليار دولار وكذلك زيادة عدد السائحين الروس لمصر والتعاون في مجال أبحاث الفضاء والأقمار الصناعية بخلاف التعاون العسكري وهو تعاون مفتوح على المستويبن البحثي واللوجستي ،والأهم من كل ذلك في اعتقادي قرار التعامل بالعملات المحلية للبلدين أي بالجنية المصري والروبل الروسي وهذا القرار في حال تطبيقه سيهز الدولار وسيعيد جزء كبير من قيمة عملتي مصر وروسيا مقابل الدولار وسيدفع الميزان التجاري بين البلدين لما قيمته ٩مليار دولار سنويا.

في كل الأحوال الزيارة مفيدة للبلدين اقتصاديا وسياسيا وخصوصا أن روسيا ستجدلها حليفا في الشرق الاوسط بحجم مصر بعد ترنح النظام السوري وهي رسالة اخرى لامريكا التي تمارس ضغوطا على بوتين على أصعدة مختلفة ولذلك ستجد ردود أفعال سلبية على الزيارة في كل من واشنطن وتل أبيب عبر عنها الكاتب روبرت فيسك قائلا امريكا فشلت في ترويض السيسي وبوتين احترم عقليته وقالت شبكة فوكس نيوز إن زيارة بوتين رسالة لواشنطن أن الزعمين المصري والروسي يفرضان سياستهما الخارجية على العالم خصوصا بعد فشل اوباما في تثبيت حكم الإخوان في مصر وازدواجية موقفه من الإرهاب حيث يستقبل الإخوان ويحارب داعش التي خرجت من عباءتهم.

إن أجمل وأبلغ ماقاله بوتين في ختام زيارته للقاهرة إن الأهم من كل الاتفاقيات الثنائية هو دفء العلاقة بين بلدين لهما تاريخ في تقدير واحترام الإنسان ،أتصور أنها رسالة وصلت ترجمتها للبيت الأبيض الذي يمارس في العالم كل ماهو غير إنساني بدعمه لتل أبيب على الأقل.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com