فانتازيا بلا حدود

فانتازيا بلا حدود

فلسطين إسماعيل

الناصرة وحيفا وعكا ويافا والقدس، هي مدني التي لا حدود بينها، وما الغريب في هذا؟ طبعا لا حدود بين مدن الوطن الواحد، هذا ما رددته بين نفسي في الأيام الأخيرة، تحديدًا عند وصولي إلى مدينتي الناصرة لقضاء عطلة مع الأهل.

بين الناصرة وحيفا لا توجد حدود، لكن بين الناصرة وجنين الحدود موجودة، جنين التي تقع على بعد لا يتعدى 20 كلم من الناصرة، يفصلهما حاجز احتلال يسمح لك بالدخول إلى المدينة دون عائق، لكن حين تريد مغادرتها عليك الاعتماد على مزاجية الجندي القابع هناك.

بكل بساطة، أريد وعائلتي الصغيرة ان نزور أصدقاء العائلة الموجودين الآن في المدينة وهذا ما صرحت به أمام الوالدة التي حذرتني من إمكانية التحقيق والإهانة التي يمكن أن يتعرض لها زوجي (الأجنبي) لمجرد تجرّئه على دخول منطقة فلسطينية، وكأن باقي المناطق التي نعيش فيها غير فلسطينية! وزوجي المجرب أجاب بهدوئه المعتاد ”معلش، متعود، مش مشكلة، بحب أزور آمال وطلال“.

أما رام الله فهي أيضا حكاية حدود وحواجز، فحين أقرر زيارة الأصدقاء فيها، أدخل من حاجز معين على أن أصل قبل الساعة العاشرة صباحًا، فبعدها تبدأ زحمة السير التي تزيد من عصبية المحتل وتنعكس على تعامله مع البشر الداخلين والخارجين من المنطقة والذين هم فقط نحن.

وتتعدد الإمكانات حين الخروج للعودة إلى الناصرة ، فإما أن أذهب إلى نفس الحاجز وأنتظر لساعات أو أسافر إلى حاجز آخر لا يمر عبره غير المستوطنين.

أمر والكثير من الأصدقاء من هذا الحاجز المحرم، نمر ونحن نشعر بانتصاراتنا الصغيرة على الاحتلال, فالاحتلال أعمى ولا يميز في الكثير من الأحيان أنك لست مثله، فإن تشابهت في الملبس أو الشكل يكون لديك تصريح غير رسمي في المرور وعبور الحواجز. لكن للتنويه، أن تتشابه في الملبس أو في الشكل، هذا ممكن، لكن التشابه معه في الفكر بالتأكيد غير ممكن، فأنت حر وهو محتل.

تبدأ مشكلتي في موضوع الحدود المفروضة علي وعلى أبناء شعبي في داخل فلسطين، لكنها لا تنتهي عندها، بل تمتد إلى العالم العربي طبعا.

فأنا أريد باختصار شديد زيارة بيروت غدًا, بيروت التي تبعد عن الناصرة 134 كلم فقط, وحين أفكر في بيروت أتساءل ”لم لا أعيش كما عاش والدي وأترابه حين كانوا يسافرون في نفس اليوم من الناصرة إلى بيروت ثم رجوعًا إلى حيفا لإكمال سهرتهم دون أن تعيقهم أي حدود؟“.

ولطالما صرحتُ وأصدقائي في سهراتنا الليلية بمدينة حيفا أيام الجامعة وما بعدها، أننا لسنا أقلية، بل جزء من عالم عربي كبير، وكنا نتفاخر باكتشافنا المتواضع هذا, لكن الحدود المفروضة تشعرني اليوم وللأسف بأنني جزء من أقلية محاصرة رغمًا عنها ولا تعزيني أفكاري القديمة في التخفيف من حدة هذا الشعور.

ورغم كل شيء، أريد زيارة بيروت غدًا، فأنا على موعد مع حيفا اليوم، حيفا أجمل مدينة في العالم كما وصفتها صديقتي الشاعرة سمر عبد الجابر، وغدًا سأزور بيروت حتمًا؛ لأن الحدود المفروضة على جميع الأطراف لا يمكنها منعي من فنتازيا بلا حدود أتخطاها بها وأصل إليك وبكل بساطة غدا، بيروت.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com