شارلي إيبدو: القلم أوّلاً أم السيف (3)

شارلي إيبدو: القلم أوّلاً أم السيف (3)
وئام غداس

عنف وليد عنف

تحدثت في المقال السابق عن أني لا أرى جدوى من أن نتحوّل إلى شارلي الآن، وأنلا نشعر بصفة تلقائية بمسؤولية الحادثة بوصفنا نشترك مع اثنين يحملان نفس هوياتناوقرّرا أن يصيرا إرهابيين، نحن نحمل كلّ الذنوب ونتحمّلها بصفة بديهية، هذا ما رآهدائماً اليمين الفرنسيّ، والذي عبّر بشكل ساخر لما توقّع رئيساً مسلماً لفرنسا عام 2020، وهو نوع من الانتقاد غير المباشر لسياسة فرنسا اليوم مع المسلمين والعربفيها، جاءت حادثة أيبدو لتكون هدية على طبق من فضّة بالنسبة إليهم، حادثة حفرت هوّة بين كل مسلم وفرنسيّ لن يفعل اليمين سوى تعميقها أكثر، وبعيداً عن موقف المعارضة الغضب هو اليوم موقف فرنسا كلها بمختلف مكوناتها المدنية والسياسية.

ما فائدة أنّك شارلي يا صديقي إن اتخذت فرنسا قرارها بشأنك وانتهى الأمر، هذا من ناحية، أمّا من ناحية ثانية فقد فات المتضامنين بمبالغة مع حادثة الإرهاب في فرنساأننا تعلمنا منذ القديم أن الحرية مسؤولية، والحريّة محدودة بالطبع حدودها تتوقفعندما تبدأ حرية الآخر وحقوقه، ليس هنالك حرية مطلقة، الحرية المطلقة في الغاب فقطأين لا قوانين ولا احترام للآخر، أما هنا بين البشر فكان على فرنسا بلد الديمقراطية أن تنتبه أن مسّ مقدسات الآخر والاستخفاف بمشاعره حيال رموز ديانته ليست من الحرية فيشيء ولكنها قمة التخلّف والفاشيّة، صحيح أن ردّ إساءة الحبر كان يجب أن لا يكون سوى بالحبر، لكن هذا مع الأسف الردّ الوحيد الذي أتاحه فكر عنيف لا يمتّ للإسلام بصلة وهو أيضا ما أفرزته عقود من الاستبداد النفسي الفرنسي والتحقير والتهميش للعربيّ المسلم فيها، من الخطأ تحميل الأخوين كواشي وحدهم المسؤولية، فأطراف هذه الجريمةبلا حصر.

في فرنسا وغيرها من البلدان الأوروبية، في الولايات المتحدة الأمريكية، إذا ارتكب مواطن جريمة أو مذبحة وتجدر الإشارة أنها من خلال الإحصائيات يومية، تستنفر وسائل الإعلاموالمؤسسات الاجتماعية والنفسية والطبية لتحليل أسباب ارتكابه للجريمة، والبحث عن الدوافع السيكولوجية من ورائها، البحث في تفاصيل حياته وطفولته وطبيعة حياته ومشاكلهوعقده وكآبته و.. و.. هكذا يتعاملون مع مجرميهم لكنهم في المقابل عندما يكون المجرم مسلماً فهو بصفة آلية: ”إرهابيّ“، هذا هو مرضهم الأزليّ: ازدواجية المعايير.

ازدواجية المعايير هي ذاتها التي جعلتهم لا ينتبهون لدماء العراق وليبيا وسوريا وبورماوأفغانستان، أين يموت الآلاف يوميا، لكنّ الدنيا تقوم ولا تقعد لأجل اثنتي عشرة شخصاً.

وهي التي دفعت القادة الذين مشوا في المسيرة منددين بالإرهاب يضعون الدم البشريّفي الميزان، دم رخيص ودم رفيع، دم وسخ ودم نظيف وهذا منتهى الإرهاب!

عندما يمشي مجرم حرب مثل نتنياهو في مسيرة تندّد بالإرهاب، في مشهد رائع لغسيلالدماء فهذا أقصى ما يمكن توقعه من العنصرية، نتنياهو يقتل عرباً مسلمين، لا حرجعليه أبداً يا فرنسا، المجتمع الدولي الذي طالما وقف متفرجاً بلا حراك ومسح بحنوّ على رأس الجريمة وفوهة الكلاشنكوف يهبّ اليوم لنجدة فرنسا، فهذا أقصى ما يمكنتوقعه من التمييز، وانتقائية الأخلاق، لأن الجريمة جريمة بحقّ كلّ إنسان بقطع النظرعن دينه وعرقه.

أيّ ردّ تنتظره فرنسا من الشباب المسلم العربيّ، أي ردّ ينتظره كلّ العالم بعد كلّ هذاعلى عنفهم الأخلاقيّ الفجّ سوى ردٍّ أعنف؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة