السيسي في الكنيسة … نهضة وطن

السيسي في الكنيسة … نهضة وطن

إميل أمين

لم تكن الليلة ليلة عيد ميلاد عادي مثل مئات وآلاف الليالي السابقة في تاريخ أقباط مصر منذ أن دخلت المسيحية إلى مصر عام 42 ميلادية .

جاء الميلاد وتهيأت الكاتدرائية للصلاة ، وقد أرسل حاكم مصر ، الرئيس السيسي كبار مندوبيه لتهنئة الأقباط بالعيد كما جرت العادة من قبل ، غير انه بعد دقائق معدودات من بدء الصلاة حدثت المفاجأة السارة لقلوب المصريين .

فجأة ودون إخطار مسبق وجد المصريون السيسي بينهم بابتسامته الاخاذه المعهودة ليجد طريقه إلى منصة الكنيسة “ الخورس “ وليلاقيه كبير القبط بالأحضان فيما الهتاف “ بنحبك يا سيسي “ يدوي بين أرجاء الكاتدرائية التي شارك في وضع حجر أساسها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر .

للمرة الأولى في تاريخ مصر يذهب رئيسها المسلم إلى صلاة القداس عند الأقباط ، ليقف بينهم مهنئا بعيد الميلاد مؤكدا على انه لم يكن له أن يتأخر أو أن لا يحضر .

في تلك الساعة كانت مصر المواطنة تتجلى عبر رئيس لكل المصريين ، رئيس يسال شعبه أن يتجاوز الطائفية ويقفز على المذهبية ، رئيس يحلم لبلاده أن تعود من جديد لتشرق بأنوار الحضارة والتآخي والإنسانية على العالم اجمع كما صنعت من قبل ألاف السنين .

لغة الجسد كانت حكم وفيصل ، لم يكن السيسي إلا صادقا مليون بالمائة ، ابتسامته الصافية تدلل على انه جاء بدافع قلبي ، ببواعث من المودة الصادقة ، ومن الإيمان المطلق بان بناء الدولة المصرية الحديثة يبدأ من قاعدة المواطنة الذهبية حيث الجميع أبناء الدولة دون تفريق أو تمايز .

السيسي يحادث المصريين في الكاتدرائية عن سردية اتساع القلب والروح ،عن المحبة الحقيقية التي يجب أن تملك العقول والقلوب من اجل بناء مصر المستقبل ، والابتسامة على وجه بابا الأقباط ، ولاحقا الدموع تدللان على أن السيسي أضحى في القلب ، ومصر من خلفه تمضي قدما في طريق عودة الوعي .

”أيد واحده“ ، هكذا هتف الأقباط ليلة عيد الميلاد ، قاصدين بذلك أن المسلمين والمسيحيين أيد واحده ، وبذلك كانت تعود لمصر شمسها الذهبي التي غنت لها الرائعة فيروز ذات يوم .

يتميز السيسي فيما يتميز بالذكاء الاجتماعي غير المحدود ، وبذات القدر بالرؤية الإستراتيجية الثاقبة ، كل هذا في طار من الجرأة والإقدام على اتخاذ القرار ، والثبات النفسي والانفعالي عند مواجهة الأزمات .. انه رجل يؤمن بان من يحكم لا يجب أن يخاف وان على من يخاف أن لا يحكم .

في زيارة السيسي لأقباط مصر رسالة للعالم الخارجي عن الإسلام السمح المعتدل ، الإسلام الوسطي المعتدل ، النسخة المصرية من الإسلام ، التي تثبت للعالم معاني ومباني الوحدة الوطنية الحقيقية ، لا الشعارات المنحولة ، رسالة بان مصر هي ارض المسيحية وارض الإسلام ، أنها المعين الحضاري للرسالات السماوية قاطبة منذ اخناتون حتى الساعة .

عطفا على ما تقدم فان البراجماتية السياسية المستنيرة للسيسي تفيد مصر في الحال والاستقبال فمشهد زيارته هذه للكاتدرائية أفضل من إنفاق ملايين الدولارات على شركات الدعاية والإعلان من اجل محاولة تحسين صورة مصر في عيون العالم ، أنها حضور واقعي حي فعال للتعايش الواحد وليس المشترك فحسب ، لا احد يستطيع المزايدة عليه .

المستقبل هو الشغل الشاغل للرئيس المصري ، وبناء مصر هو شغله الشاغل ، ليس لدى الرجل آية أطماع شخصية ، إن مستقبله وراءه ، ولو كان قد اكتفى بما حققه لمصر عشية الثالث من يوليو 2013 لكان ذلك كافي له ، لكنه يسال المصريين التضامن والتعاضد في هذه اللحظات التاريخية حتى يكتبوا من جديد سطور من النور تبدد ظلام الكراهية ورفض الأخر ، ولبناء مصر الحديثة من جديد .

ذات مرة تحدث “ آرثر ميللر “ المسرحي الأمريكي الكبير قائلا إن الأمم تموت بموت أحلامها السياسية ، وحال قراءة العبارة بطريقة عكسية يمكننا القول أن الأمم تنهض مع نهضة أحلامها السياسية ..

لقد كانت زيارة السيسي للكاتدرائية واحدة من الأحلام التي راودت خواطر مصر الحرية ، التنويرية ، منذ زمن بعيد وها قد فعلها السيسي ، ومن وراءه المصريين باتوا يهتفون بحب ومصداقية تحيا مصر.. تحيا مصر… تحيا مصر .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة