فرنسا تتطرّف منذ أعوام

فرنسا تتطرّف منذ أعوام

مارلين خليفة

يوجد ترابط واضح بين الإرهاب الذي يضرب فرنسا وبين قضايا الشرق الأوسط وخصوصا في سوريا، إذ لم يعد بإمكانية الفرنسيين التغاضي عما يحدث هناك من دمار وكأنهم بمنأى سياسي وأمني عنه وخصوصا مع بلوغ عدد المقاتلين الفرنسيين الـ700 مقاتل.

حتى لو كان منفّذا الجريمة الإرهابية ضدّ ”شارلي إبدو“ جزائريا الجنسيّة فقد ثبت أنهما كانا في اليمن عام 2011، وثمة شبكات مشتركة بين هذه المجموعات الإرهابية أينما كان وهي تتغذى بالقضايا ذاتها.

بدأ الفرنسيون يدركون أنه يوجد ارتباط بين سياساتهم الخارجية وما يحدث في الداخل، وهذا ليس جديدا، فقد اتخذت فرنسا موقفا شجاعا بنأيها مع الفاتيكان ضدّ حرب العراق عام 2003، ما جنّب إعطاء الحرب صبغة صراع الحضارات، لكن وراء السبب ”المبدئي“ الفرنسي كانت تختبئ العلاقات الفرنسية الممتازة مع الرئيس العراقي السابق صدّام حسين، بالإضافة الى عدم إمكانية تسويق تلك الحرب بين ملايين المسلمين في فرنسا، هذا الموقف الفرنسي لم يجعل شخصين مثل الأخوين كوّاشي يجنّبانها مسؤولية الحرب كدولة أساسية من الدول الغربية المصطفة بسياساتها الى جانب الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في قضايا عدة وأولاها في فلسطين.

ثمة علاقة أيضا بين الإرهاب الذي يضرب فرنسا حاليا وبين الأزمة الإقتصادية القائمة بعد أن أضحت الطبقات الوسطى في أوروبا أكثر هشاشة. الى ذلك ثمة رفض للمؤسسات الأوروبية، فبعد أن كانت الفكرة الأوروبية حلم اليمن واليسار تبدل الوضع بسبب خسارة أوروبا الإقتصادية أمام الصين والهند وأميركا وسط ركود اقتصادي منذ أكثر من 14 عاما، ويشعر السواد الأعظم من الفرنسيين أنّ أوروبا صارت عبئا اقتصاديا عليهم وهذه النزعة موجودة عند بعض اليسار وبعض اليمين.

يستفيد اليمن المتطرف من التشنّجات العقائدية والإيديولوجية والمخاوف من الإسلام والتي باتت تسبّب خوفا عميقا من إمكانية تبدّل هوية المجتمع الفرنسي.

واللافت أنّ ”الجبهة الوطنية“ التي لها تاريخ حافل بمعاداة اليهود تحديدا وتاريخ لاسامي موصوف، استبدلت هذا العداء بقيادة مارين لوبن بالعداء للإسلام وتقربت من إسرائيل على غرار معظم الأحزاب اليمينية المتطرّفة في أوروبا، وخصوصا في هولندا وبلجيكا وبريطانيا حيث تنتشر ”الإسلاموفوبيا“ تحت شعار الدفاع عن الغرب المسيحي ضدّ العرب، ويتناسى هؤلاء المغالون معاداة هذا الغرب المسيحي لليهود منذ ما يزيد عن ألفي سنة.

في عهد الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي سقط الجدار المعنوي الذي فصل تاريخيّا اليمين الجمهوري المعتدل واليمين الراديكالي المتطرف المتمثل بـ“الجبهة الوطنية“، إذ انتهج ساركوزي سياسة يمينية متشدّدة بشأن الهجرة والغجر وقضايا الشرق الأوسط نظرا لصلته الوثيقة بإسرائيل، ولم يعد من حاجز واضح المعالم بين اليمين التقليدي والمتطرّف، وصارت أفكار التطرّف والتشدد متداولة بشكل عادي وهذا ما أدى الى تطرّف القاعدة اليمينية المعتدلة فصارت مستعدّة للتعاون مع ”الجبهة الوطنيّة“.

كل هذه المخاوف ستزداد بعد حادثة ”شارلي إبدو“ لأن فرنسا تعيش هذا الهاجس الإسلامي المعطوف على كل ما ذكرناه سابقا من عوامل ولعلّه في طليعتها، وأكبر دليل أن أكثر الكتب مبيعا منذ 10 أعوام في فرنسا هي تلك التي تبعث الخوف من المهاجرين ومن الإسلام وتحذر من ذوبان الهوية الفرنسية، وهي لمؤلفين مشهورين مثل: إيريك زيمور وميشال ويلبيك وآلان فيلكانكروت. هذه النزعة نحو العنصرية والتشدد بدأت منذ 15 عاما وتوسّعت حاليا بشكل واضح، وبات مؤكدا أن مارين لوبن ممكن أن تمرّ في الدورة الثانية للإنتخابات الرئاسية المقبلة وهي ربما لن تربح السباق الرئاسي لأن أكثرية الفرنسيين لا تتقبل أفكارها المتطرفة، لكنها بالتأكيد ستكون شاهدا على تطرّف فرنسا المتصاعد منذ أعوام.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com