”الكلاشينكوف“ يواجه قلم التلوين

”الكلاشينكوف“ يواجه قلم التلوين

المصدر: مارلين خليفة

دفع الصحافيون دماء غزيرة ليكسبوا حرية التعبير في وجه طغاة السلطة في بلدان العالم أجمع.

كانت الولايات المتحدة الأميركية بحاجة لدماء دون بولز في سبعينيات القرن الفائت الذي كتب تحقيقا إستقصائيا في صحيفة تصدر في ولاية أريزونا تناول فيه المافيا، فقتل أثره بانفجار في سيارته في سياق الجرائم المنظّمة التي كانت تقوم بها المافيا هناك. بعدها تحرّكت جمعية المحررين الإستقصائيين وجنّدت عددا كبيرا من الصحافيين لمتابعة التحقيق الذي بدأه دون بولز. وقرر 50 صحافيا في الولايات المتحدة الأميركية الردّ على هذه الجريمة عبر الذهاب الى أريزونا وكتابة تحقيقات استقصائية تكشف جرائم المافيا وأسماء قادتها والفاعلين فيها، ونشرت التحقيقات في صحف أميركا بعد 6 أشهر من العمل المتواصل، مما أرغم المحاكم على التحرك والقبض على المجرمين وسوقهم للمحاكمة.

من العالم الأول الى عالمنا العربي حيث دفع الصحافيون أثمانا من حياتهم ونذكر رسّام الكاريكاتور الفلسطيني ناجي العلي الذي تميز بنقده اللاذع والذي اغتيل في لندن عام 1987، وصحافيين لبنانيين لا يمكن إحصاؤهم أبرزهم سليم اللوزي ناشر مجلّة ”الحوادث“ الذي اختطف في الحرب الأهلية اللبنانية ثم قتل وتمّ التمثيل بجثته وأحرقت أصابعه بالأسيد، ورياض طه، وسمير قصير وجبران تويني وسواهم الكثير من الصحافيين الذين سقطوا أخيرا في حرب سوريا ومنهم من يقبع لغاية اليوم في غياهب السجون.

إلا أن الخطر في الهجوم القاتل ضدّ صحيفة ”شارلي إبدو“ في باريس انطلاقه من فكرة الدفاع عن النبي محمّد، ما يعني في الشارع الفرنسي والأوروبي والغربي أن موقّع الجريمة هو مسلم يدافع عن دينه في وجه صحافيين مسالمين يمارسون مهنتهم عبر حرية تعبير اعتادوها في بلدهم العلماني وفي صحيفتهم المشاكسة منذ تأسيسها عام 1970، وهم عكفوا على انتقاد المسؤولين الفرنسيين من شارل ديغول ( أوقفت الصحيفة فترة إثر نشرها رسما يسخر من ديغول بعد مماته) وصولا الى فرانسوا هولاند مرورا بالديانات السماوية وغير السماوية كلها من دون استثناء.

ولعلّ ردّة الفعل الساخطة لمسلمي العالم الذين احتجوا عام 2006 على إعادة الصحيفة نشر رسوم كاريكاتورية للنبي محمّد عن أخرى دانماركية كانت الخلفية التي انطلق منها الأخوان الجزائريان (المشتبه بهما) حين صبّا رصاص رشاشاتهم في أجساد صحافيي ”شارلي إبدو“ وقتلوا في مجزرتهم 12 شخصا بينهم إدارة التحرير المؤلفة من 4 رسامين فرنسيين بارزين.

واقعة ”شارلي إبدو“ ستكون لها تداعيات خطرة على علاقة المسلمين مع أوروبا كما كانت لهجمات 11 أيلول تداعياتها الخطرة على علاقتهم مع الولايات المتحدة الأميركية.

وستغطي هذه الجريمة النكراء الأخطاء الفظيعة التي ارتكبتها الدول الأوروبية في سياساتها التاريخية المتحيّزة وخصوصا في الشرق الأوسط من فلسطين الى العراق فسوريا مرورا بأزمات عدّة.

ولعلّ أخطر الصور التي ستنشأ في المجتمعات الأوروبية التي تميل أصلا نحو اليمين المتطرّف هي التالية:

الإسلام هو ضدّ الحرية، والمسلمون شعب عنيف، ما سيعزز الكره ضدّهم وسيتظهر ذلك جليا في تطرّف مضادّ سواء من المتدينين أو من الملحدين وهو سرعان ما تظهّر في التعليقات التي انهمرت على وسائل التواصل الإجتماعي ومنها ما يدعو مباشرة الى قتل كلّ مسلم.

ولعلّ العلاج الناجع هو اعتراف المسؤولين في الدول الإسلامية بخطر التيارات المتطرفة وبدء محاربتها في عقول بعض رجال الدين الموتورين الذين يعملون على حرف الشباب المسلم خدمة لمشاريع لا علاقة لها بالدين وبالإسلام، هؤلاء المتلاعبين بأفكار الشباب هم الإرهابيون الحقيقيون وليس من يضغطون على الزّناد.

يكفي التشويه الذي أحدثته ”داعش“ وأخواتها في صورة الإسلام والذي نرى تردداته في العالم أجمع والمستمرّ بأبشع الصور والممارسات، لكنّ واقعة ”شارلي إيبدو“ ستطبع العقل الأوروبي بصورة بشعة كما طبعتها ”داعش“ وهي صورة لن تتبدّد لأعوام طويلة بل ستتردّد دوما على شكل رشاش ”كلاشينكوف“ يحمله متطرّف لمواجهة قلم تلوين…

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com