بابا نويل الذي لا يذهب إليهم

بابا نويل الذي لا يذهب إليهم

وئام غداس

نحن شعوب مسلمة لا نحتفل بميلاد المسيح، ولا يعرف أطفالنا بابا نويل ولا ينتظرونه ليلة الميلاد،غير أنّ فكرة الهدايا قبل رأس السنة الميلادية ليست العادة المحمودة الوحيدة التي دخلت ثقافتنا،فالحبّ والسعادة غير مرتبطين بدين أو مكان إنّهما إحتياج بشريّ، والإحتفاء بعام جديد ليس حكراًعلى طائفة دون أخرى، ورسم إبتسامة على وجه طفل غاية نبيلة تقوّض كلّ حسابات أخرى ..

كان هذا ملخّص الحوار الذي دار قبل أعوام طويلة بين الأخت سارة المسيحيّة التي كانت تدرسنااللغة الفرنسية ومديرة مدرستنا المسلمة، في ”مدرسة الراهبات“، وهي مدرسة قديمة جدا ظلّت

قائمة منذ الإحتلال الفرنسيّ لتونس وبقيت مثل قلّة أخرى من المباني والمؤسسات قائمة بعد الإستقلال وحتى اليوم،ومع أننا كمجتمع صغير لا نمثل سوى الإسلام السنيّ لم نرَ في وجود مثل هذه المدارس أيّ مضايقة، على العكس كانت العائلات الميسورة تتنافس على أن يدرس أبنائها فيها.

كلّ عام وقبل نهاية السنة الميلادية كنّا إذن ننتظر الرجل الساحر اللطيف بابا نويل، يأتي محمّلاًبأصناف شتى من الهدايا، التي تكون في الغالب موضوع تكهناتنا وكل أحاديثنا الصغيرة قبل حلوله بأيام كثيرة، ومصدر أمنياتنا وأحلامنا كلّ ليلة : ترى ما تكون هدية بابا نويل هذا العام؟

كنّا مجموعة من الأطفال المحظوظين بيسر أحوال عائلاتنا وفي السادسة أو السابعة لا يمكنكأن تكتشف مدى حظك لأن رجلاً بثياب حمراء يجلب لك كل عام هدية، لا يمكنك ذلك إلى حدّأنه لا يخطر لك أنه اختارك أو أمكن لك أنت أن تختاره فتخال أنّ كل الأطفال في العالم يعيشونذات اللحظة التي تعيشها، عندما يدخل عليكم الفصل ويبدأ الأولاد في التصفيق والتهليل والقفز حوله وقلوبهم تكاد تطير من الفرحة، تحتاج لعمر كامل أو صدفة ربما،حتى تعرف أن الفرحة تلك ليست ظاهرة عامة أو بديهية.

ظروف عائلية اقتضت بعد سنتين أن أنتقل للسكن ببيت جدّي في احدى القرى الداخلية من الشمال، وفي “ دقّة “ لم يكن هنالك بالطبع مدرسة راهبات خاصّة، مدرسة واحدة للجميعوالجميع كانوا فقراء أو قريبون من الفقر، قبل نهاية ذلك العام خطر لي أن أسأل صديقتي ماذا جلب لها بابا نويل في العام الفائت، ارتسمت على وجهها علامات الإستغراب وقالتلي أنها لا تعرف ماهو هذا الشيء، أخبرتها أنه ليس شيئا إنما رجل كبير بشاربين كثّينوطربوش طويل وملابس حمراء يحضر للأطفال في المدرسة هدايا رأس السنة، بقيتمستغربة وهزت رأسها بالنفي مؤكدة أنه لا يأتي عندهم أبداً.

لم أفهم الأمر إلّا عندما سألت جدّتي وقالت لي أنه لا يمتلك سيارة لذلك يظل قريبا من المدن الكبيرة ولا يستطيع زيارة القرى والأماكن البعيدة.

كتبت إسمها على ورقة صغيرة ألصقتها فوق علبة الشوكولا، ولمّا أصعد إلى سطحبيت جدّي وأرى الجبال تطوقه من جهاته الأربعة أدرك أن المدن بعيدة، بعيدة جدا عن قريتنا، وبابا نويل لن يستطيع القدوم هذا العام، رغم ذلك أقنعت صديقتي أنه أتى إليّليلة رأس السنة لأنه يعرفني ولما خبّرته عنها طلب مني أن أتأسف لها وأعطيها هديتهاووعدها أنه لن يتخلّف عاماً بعد ذلك.

في العام الذي بعده كنت قد عدت إلى بيتنا، ولما جاء بابا نويل إلى مدرسة الأثرياء ككلّ عام .. طلبت في سرّي من صديقتي أن تسامحني لأنّها لابدّ تنتظر تحقق الوعد، رفضت الهدية، هدية الأب نويل الذي لا يذهب إليهم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com