نكات للبيع

نكات للبيع

تاج الدين عبد الحق

زمان، قبل الإنترنت و“فيس بوك“ و“تويتر“ كانت النكتة هي التي تقيس نبض الشارع، وردود فعله ومزاجه العام. وكانت النكتة متنفسا يعبر من خلالها عامة الناس عن همومهم، ويعوضون بها عن كبت حرياتهم، ومنعهم من التعبير والكلام، وحق الاختلاف والخصام.

ويقال – والعهدة هنا على الرواة- إن أجهزة متخصصة، كانت تكلف بمتابعة ما يتداوله الناس من نكات، وتعمل على إيصالها أولا بأول، إلى المراجع العليا، بعد تمحيصها، وتحليلها وكشف ما فيها من معان ودلالات. ويقال أيضا أن النكات كانت سلاحا امتشقته أنظمة ضد أخرى، وأنها كأنت تلجأ إلى تسريب بعض النكات، و“القفشات“ بقصد تشويه الخصوم، والنيْل منهم، وفضح عيوبهم، وكشف أسرارهم.

وحظيت النكات السياسية بحماية، ورعاية المراجع السياسية العربية، وكانت تلك المراجع، تتبارى في تقريب رواة النكتة وحفظتها، ومن يملك موهبة في إلقائها، وقدرة على توظيفها بالشكل والتوقيت المناسبين. ويقال في هذا الصدد أن النكتة كانت إلى حد كبير مدخلا لبعض من احتل مناصب رفيعة، وتبوأ مراكز قيادية، وأن البعض منهم نجحوا في أن يكونوا وسطاء في خلافات أو سماسرة في صفقات.

ويذكر فيما يذكر عن تأثير الموهبين في رواية النكته السياسية، والقدرة على استثمارها ماديا، والاستفادة منها سياسيا، أن بعض المترددين على المجالس والديوانيات، كانوا يشترون من بعضهم البعض حقوق نكات معينة، ونوادرمميزة سمعوا بها، ليظل حق روايتها وإيصالها، حكرا عليهم، يختارون زمانه ومكانه.

اليوم يتبدل الأمر، ويختلط حابل الناقد، بنابل الناقل، ويصبح المجال مفتوحا لكل من هب ودب، وتفك القيود وتغيب الحدود. فالـ ”فيس بوك“ و“توتير“ كسرا الاحتكار، وأتاحا فرصا هائلة لكل الناس، للتعبير بكافة الأشكال المسموعة، والمقروءة، والمرئية.

ومع أن عدد ناقلي النكتة يزداد، ومع أن وصولها أو إيصالها يتسارع، إلا أنها تبدو فاقدة للحرارة، عديمة التأثير بالشكل الذي عهدناه في نكات وقفشات، ما اصطلح عليه بالزمن الجميل، ليصبح حالها حال أغاني وأفلام ذلك الزمن، الذي نفتقده ونحِّن إليه ونبحث عنه في ثنايا ما يبث ويعرض هذه الأيام.

حال النكتة هو حال أشياء كثيرة تبدلت وتغيرت. فقد كنا نعيب عليها في الماضي القريب ونقول عنها، إنها كانت وسيلة تنفيس للاحتقان السياسي، والظلم الاجتماعي، وأنها تقطع الطريق أمام الأشكال الطبيعية من حرية التعبير والممارسة السياسية، لكن ما أن أصبحت حرية التعبير مشاعا للجميع، حتى أكتشفنا أن هذه الحرية لم تغير كثيرا من الواقع، فما يقال وما يكتب وما يصور ويبث صباح مساء، عبر القنوات الفضائية الرسمية والخاصة وما يتدفق من معلومات وتعليقات وأفلام عبر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مؤثرا على كثرته وتنوعه. وبات كغثاء السيل، العابر الذي يخبو ويتلاشى دون أن يترك أثرا حقيقيا، مهما بلغ علو الزبد ومهما اتسع مداه.

ومن باب أن الشيء بالشيء يذكر، فقد عشنا زمنا، كانت فيه محطات الإذاعة هي رمز السيادة، وأكبر مظاهرها، وأجلى تعبيراتها. وكان الدخول إلى تلك المحطات، أصعب من دخول غرف العمليات العسكرية والمراكز الأمنية، وكانت دور الإذاعة أشبه بقلاع عسكرية لفرط ما يحيط بها من حراسات وما ينتشر حولها من آليات. كل ذلك لأن الإذاعة كانت بوابة الوصول إلى الحكم، وكانت إذاعة البيان الأول لأي إنقلاب عسكري من محطة الإذاعة الرسمية هو بداية إنهيار المؤسسات الرسمية واستسلام الوحدات العسكرية التي تحرسها وتسهر على سلامتها.

لكن هذه الهيبة تلاشت اليوم فكما فقدت النكتة السياسية تأثيرها رغم تعدد المنابر التي تطلق منها، فإن الإذاعة وغيرها من المؤسسات الإعلامية الخاصة منها والعامة، تفقد تأثيرها، وقدرتها على إحداث التغيير، رغم تعدد وتنوع وكثرة المحطات. ولم يعد ما يقال عبر الأثير يحمل القدسية والهيبة التي كنا ننظر بها في الماضي لما يقال وما تبثه موجاتها، بل إن بعض البرامج والحوارات الساخنة ذات الاتجاهات المتعاكسة أصبحت هي بذاتها، أشبه بنكتة سياسية نكسر فيها حدة الملل وطابع الرتابة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com