المكارثية وأخواتها التكفيرية

المكارثية وأخواتها التكفيرية

موفق محادين

على أهمية الدور الذي لعبه روبرت دونيرو في فيلم (مذنب بالشبهة) وبخاصة في خلق تعاطف مع قضيته، إلا أن الفيلم شأن معالجات روائية وسينمائية، بل وسياسية عديدة لظاهرة الماكارثية، لم يكترث للسياق العام لهذه الظاهرة – بما هي قابلة للإنتاج في زمن آخر داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

ولا يمكن تناول الظاهرة المذكورة بمعزل عن الحاجة التي تقف خلفها، بما هي حاجة أكبر كثيراً من سينارتور مهووس بالعداء للتقدم واليسار، ويؤشر على مجمل الثقافة الأمريكية وأخواتها المشرقيات من السلفيات التكفيرية:

أولاً: وبالنسبة للسيد جوزيف ماكارثي الذي تنسب له هذه الظاهرة فقد عمل محامياً قبل أن يصبح عضواً في الكونغرس عن الحزب الجمهوري، وقد تبنى قوانين في الكونغرس لما أسماه تنظيف أمريكا من (الوباء الشيوعي).

والمهم هنا أنه أدار معركته خلال إدارة الرئيس (الديمقراطي) ترومان بين نهاية الحرب العالمية الثانية ومجيء أنيرنهاور (1952).

-2- أما الرئيس ترومان نفسه فهو أول من أطلق (مبدأ) مقاومة الشيوعية ليس في أمريكا فقط بل وفي كل العالم، وبوسع أي مهتم في أي بلد سقط تحت سيطرة الأمريكان في تلك الحقبة أن يكتشف أن بلاده سنت قانوناً لمكافحة الشيوعية على إيقاع القانون الأمريكي.

وقد ترافق ذلك مع خطوات وسياسات أمريكية أخرى، داخلية وخارجية عنوانها التدخل والنهب والحروب العدوانية، ومن أبرز أحداثها: ضرب المدن اليابانية بالقنابل الذرية وموت وإصابة ملايين المدنيين من الأطفال والنساء، وكذلك العدوان الأمريكي على كوريا وما نتج عنه من حرب كارثية مات فيها مئات الآلاف بالإضافة لعشرات الآلاف من الجنود الأمريكان.

ومن تلك أيضاً الإعلان عن حلف الناتو ومشروع مارشال، والنقطة الرابعة، الذراع الاقتصادي للهيمنة المالية والنقدية الأمريكية على العالم الثالث ومنها ما يعرف بوكالة التنمية الأمريكية UsAid.

ولعل الأهم والأخطر من ذلك، فيما يخص العرب ومصالحهم هو الدعم الأمريكي لاغتصاب فلسطين العربية من قبل العصابات الصهيونية.

-3- هكذا وعلى إيقاع سياسات ترومان وحروبه العدوانية واعترافه بـ(إسرائيل) ولدت المكارثية في الداخل والخارج الأمريكي.

-4- وإذا كان ماكارثي قد انتهى ومات في مصح للأمراض العقلية 1975 بعد أن انهارت أعصابه بعد صعود موسكو والناصرية في الشرق وحركات التحرر اليسارية في أمريكا اللاتينية – إلا أن (أفكاره المريضة) استمرت بعده، إلى أن وجدت ممثلاً من الدرجة العاشرة ومريضاً ومهووساً بالعداء لليسار، هو رونالد ريغان الذي صار رئيساً للولايات المتحدة.

وفي سجله أنه كان أحد الشهود المزورين الذين استخدمهم ماكارثي (لتصفية) اليساريين من هوليود وتحويلها إلى مؤسسة لترويج أفلام الجريمة والرعب والتشوه الإنساني

-5- ومن المفارقات أو القواسم المشتركة بين المكارثية وأخواتها التكفيرية ما يتعدى العداء للشيوعية والصراع الطبقي واستبداله بصراع طائفي، إلى الأنساق الأيديولوجية.

فقد دعت القوانين الماكارثية آنذاك إلى التفريق بين الزوجة والزوج إذا كان أحدهما يسارياً، وإلى أخذ الأطفال ووضعهم في حضانات ومدارس خاصة، وإلى حرمان المتهمين من أية حقوق مدنية وسياسية بما فيها حق العمل ولا سيما التدريس، كما شكلت لجاناً لمراجعة المناهج و(تنظيفها) من أية شبهة ثقافية ويسارية.

ولو قارنا المكارثية مع ما تدعو له الجماعات التكفيرية وخاصة في المناطق التي تحتلها في ليبيا والعراق وسوريا ومدارس شمال سيناء واليمن… إلخ، لوجدنا انسجاماً عالياً بين الجماعتين (فالمطبخ واحد) مع فارق في ”التعبير“ الكافر (الآخر المختلف) بدل الشيوعي واليساري، وهكذا.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com