التحكم في فوضى الحواس !

التحكم في فوضى الحواس !
عائشة سلطان

حين تأملت حركة الفتاة التي كانت تمارس التدرب على فن الدفاع عن النفس “ الكونفو “ ، أيقنت تماما المعنى العميق للسكينة وللسكون ولعبارة تنسب ل باسكال يقول فيها “ تعاسة الانسان تكمن في عدم قدرته على السكون “ !

كانت الفتاة تتحرك بسكون وهدوء مذهلين ، كانت تتحكم في كل جزء من جسدها ، بينما ثعبان الكوبرا يتلوى قبالتها مقتفيا حركتها وكأنها والثعبان الأصل وانعكاسه في المرآة ، وفي لخظة السكون المذهل تلك كان تلميذ صغير يعبر خاطفا واذ يلمح حركة الفتاة والثعبان يقول لمعلمه “ اريد أن افعل كالفتاة اريد أن اتعلم كيف اسيطر على من حولي ، كما تسيطر هي على الثعبان “ اجاب المعلم هناك شخص واحد عليك أن تتعلم اولا كيف تسيطر عليه : إنه أنت ! وأن تتعلم السكون ، قال التلميذ : إذا جلست بسكون لا افعل شيئا سأسيطر على من حولي كتلك الفتاة ، أجاب المعلم : فرق كبير بين السكون وبين أن تجلس لا تفعل شيئا !

السكينة خلاف السكون ، فبينما تمثل الاولى المعنى المرادف لراحة الجسد وهدوء النفس ، يمثل السكون تفوق العقل على فوضى القوة وبعثرة التفاصيل والتباسات الحواس ، في حقيقة الواقع المعبأ بالصراعات يعتاد الواحد منا على الضوضاء والضجيج حتى يصبح هو القاعدة والوضع الطبيعي ، وتدريجيا يتقبل الإنسان فكرة أن الضوضاء هي الحياة والحيوية والنشاط ،وأن السكون هو اللافعل والفراغ واللاجدوى وأحيانا الموت ، وشتان كما قال المعلم الصيني لتلميذه الأمريكي الصغير بين السكون وبين أن لا تفعل شيئا .

لو أننا تنازلنا عن التباهي الفارغ بأنفسنا – كما ينصح التايلنديون دائما – ونظرنا للشمس أو للقمر أو لحركة الكون العظمى سنجد أن أكثرها خطورة ومهابة وعبقرية تحدث بهدوء ، بلا أدنى صوت ، وبسكون تام ، فلا شروق الشمس ولا غروبها يحدثان بضجيج ، ولا انسكاب الظلمة ولا انهمار الضوء فجرا يعلنان عن نفسيهما بأدنى صوت ، كل شيئ يحدث بعبقرية السكون وبحكمته التي لا تضاهى !

يتعرض الانسان خلال يومه للكثير من الضجيج المدمر الذي يضرب كيانه كله ، ضجيج الأصوات ، ضجيج الاعلام ، الأحداث ، البشر ، الصراعات الكبرى حوله …. ،ضجيج لا يتوقف يطارده حتى لحظة نومه ، فحتى الحديث اليومي للإنسان مع نفسه لم يعد سوى ضجيج مدمر!

طرح أحد الكتاب سؤالا ذات مرة : ماذا نقول حين نتحدث مع أنفسنا يا ترى ؟ انه حديث الخوف وتأنيب الضمير والشعور بالإثم ، واستعادة المواقف السيئة او التي شعرنا فيها بالدونية أحيانا ، حديث تذكير النفس بضرورة التحدي والصراع وبعدم الإحساس بالأمان والثقة في الاخرين … إنها أحاديث سلبية في معظمها ، وبالرغم من أنها تدفعنا للتحدي وتقوية آليات دفاعنا عن كينونتنا ، إلا أنها تنهكنا في نهاية المطاف ، فنحتاج لكثير من السكون ، السكون الذي يعبر عنه البعض باخذ اجازة يغادر فيها دون ان يقول إلى أين ، مغلقا هاتفه النقال ، وجميع حواس الاستقبال لديه !

حينما سأل المعلم تلميذه لماذا تصر على تعلم فنون القتال ؟ اجابه لأكون قادرا على القتال وكسب أي معركة ، وحينما سأله عن هذا الإصرار على القتال وكسب التحدي ، أجابه “ لأنني خائف ، ولأنني ضعيف ، اريد أن أعود الى بيتي مساء دون خوف ، أعود منتصرا لمرة واحدة كي أكسر هذا الخوف في داخلي “ ان الخوف يفقدنا الأمان وهذا بدوره يفقدنا السكون وهو ما يجعل الانسان تعيسا بالضرورة . وهذا هو حال كل الناس في هذا الزمان !

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة