النظام السوري يكرر أخطاءه

النظام السوري يكرر أخطاءه

تاج الدين عبد الحق

يخطئ النظام السوري، إذا ظن بقمعه مظاهرات درعا الجديدة، وإعادة تمثال حافظ الأسد لساحاتها، أنه قد حسم صراعه مع خصومه عسكريًا، وأنه يستطيع أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، كيف ما يشاء، ووقتما يشاء حتى لو كان ذلك مستفزًا لمشاعر الناس، ومحبطًا لآمالهم في الإصلاح، وتطلعهم للخروج من نفق الأزمة التي أكلت الأخضر واليابس، ورمتهم في غياهب المجهول.

ما حدث في اليومين الماضيين، في درعا السورية التي كانت مهدًا للثورة، وبداية لمسلسل الاحتجاجات التي قادت إلى واحدة من أقسى الحروب الأهلية دموية، يشير إلى أن النظام لا يتعلم من أخطائه، ولا يستفيد من تجاربه، وأنه لا يزال يأتمر بأمر العقليات التي كانت وراء جملة الأخطاء والخطايا، والتي دفع السوريون ثمنها باهظًا من دمائهم وأمنهم ومواردهم .

إقدام النظام، أو محازبيه وأنصاره على إعادة تمثال الرئيس السوري السابق حافظ الأسد إلى أحد ميادين درعا، كشاهد على الرغبة في السيطرة، وفرض سلطة النظام بالقوة، لا يمكن وصفه، إلا أنه نوع من الاستخفاف بالمعارضة، ومحاولة لحسم نتائج الحوار معها قبل أن يبدأ، كما أنه تأكيد على عدم الاستعداد من حيث المبدأ لفكرة المشاركة، أو اقتسام السلطة مع الغير.

المظاهرات التي اندلعت احتجاجًا على خطوة النظام الاستفزازية، أكدت أن المعارضة لم تخسر الحرب مع النظام، حتى لو خسرت الجولة الأولى من المعارك العسكرية، وأن جذوة الثورة لا تزال مشتعلة تحت ركام الرماد الذي خلفته الآلة العسكرية للنظام، وحلفائه الإيرانيين والروس والميليشيات التابعة لهم.

في مظاهرات درعا الجديدة يمكن قراءة ثلاثة أبعاد سياسية : أولها أن الإنجازات العسكرية التي حققها النظام مؤخرًا هي إنجازات هشة، وأن إمكانية تجدد الاحتجاجات هي إمكانية واقعية، وليست افتراضية، فالمظاهرات الجديدة يمكن أن تتطور إلى شكل أكثر فعالية من المواجهات العسكرية السابقة، بعد أن تحررت القوى الحقيقية للمعارضة المدنية، من سيطرة الفصائل المسلحة، والميليشيات الإرهابية، والتي حاولت اختطاف الثورة؛ لتوظيفها لصالح أجنداتها الإرهابية والحزبية.

وبحسب التقارير، فإن ما حدث في درعا لم يكن حالة معزولة، وإن صدى المظاهرات كان يتردد في أكثر من مكان في المناطق التي يفترض أنها عادت لسيطرة النظام وسلطته، وإن هذه التجربة قابلة للتجدد والتكرار.

أما ثاني الأبعاد التي يمكن تلمسها في مظاهرات درعا، فهو أن المعارضة استطاعت بالطابع السلمي الذي اتخذته تلك المظاهرات اختراق تحالف النظام وحلفائه الإقليميين والدوليين، وضعضعة لحمته في مواجهة المعارضة.

فحلفاء النظام سيجدون الآن، صعوبة مؤكدة في تقديم دعم للنظام في مواجهة المتظاهرين السلميين، أو في توجيه اتهام لهم بأنهم أدوات في أيدي المنظمات الأرهابية، وهي الحجة التي طالما بررت بها القوات الحليفة دعمها ومساندتها للنظام.

وإذا صدقت الروايات عن وجود خلافات بين روسيا وإيران، بشأن مآل الأزمة السورية وطريقة حلها، فإن المظاهرات في درعا إذا ما تطورت وامتدت للمناطق الأخرى التي تسيطر عليها قوات النظام، ستكون بمثابة صب للزيت على تلك الخلافات.

فروسيا التي تتحرك في سوريا في إطار استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار رأي المجتمع الدولي وعلاقاتها بدول الإقليم، ستجد صعوبة حقيقية في الانسياق وراء شهوة إيران في إنجاز تسوية ذات نكهة عسكرية، وعلى مقاس مصالحها ومصالح الميليشيات الحليفة لها.

والبعد الثالث لمظاهرات درعا يكمن في الأثر الذي تتركه على محاولات إيجاد تسويات في المناطق التي لا تزال متوترة، وخاضعة لسيطرة الفصائل المسلحة، فالواضح أن الطريقة المستفزة التي تعامل بها النظام مع معارضيه وخصومه في درعا، وهي من المناطق المشمولة باتفاقيات خفض التوتر، ستعطي مبررًا قويًا للفصائل المسلحة التي لا تزال تحارب في إدلب وشرق سوريا، وعلى الحدود مع تركيا؛ للتمسك بسلاحها، ورفض أي تسوية سلمية، تُحرر المناطق التي تسيطر عليها من سطوة الإرهاب، والسلاح المنفلت.

مظاهرات درعا في مواجهة استفزاز النظام، هي بصيص أمل جديد يؤكد أن حلم التغيير لا يزال يداعب خيال السوريين، وأن مجرد خروج مظاهرات مهما صغرت، بعد كل الذي جرى، يعني أن إرادة التغيير لم تنكسر، حتى لو حجبتها المعاناة والآلام التي سببتها سنوات الحرب العجاف.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com