فرص نجاح قمة تونس المقبلة

فرص نجاح قمة تونس المقبلة

المصدر: تاج الدين عبد الحق

حسب المعلومات الشحيحة عن التحضيرات الجارية للقمة العربية المقرر عقدها في تونس في نهاية آذار مارس الجاري، فإن الإيقاع البطيء للاتصالات الجارية بهذا الشأن، يشير إلى أنه من غير المتوقع أن تشهد القمة أي مفاجآت، أو أن تحقق نتائج غير منتظرة .

على أن ذلك لا يمنع القول بأن هذه القمة، قد تأتي مختلفة عن القمم العربية السابقة، وقد تكون بداية لاستعادة النظام العربي بعض ما فقده من زخم، خلال السنوات التي تلت ما عرف بثورات الربيع العربي، وانقسم بعدها العالم العربي بشكل حاد، إلى محاور ومواقف على نحو غير مسبوق، وبشكل غير معهود.

الذين يراهنون على القمة المقبلة، هم من يرون في ”مهد الثورات العربية وشرارة انطلاقها“، حالة مختلفة عن الدول العربية الأخرى التي استضافت القمة العربية الدورية من قبل، فرغم ما عانته وتعانيه تونس خلال مرحلة التحول الديمقراطي، إلا أنها ظلت بعيدة -إلى حد ما- عن حالة الاستقطاب التي شهدها العالم العربي بفعل التحولات السياسية والتطورات الأمنية الحادة في المنطقة.

فتونس ليست لها خلافات مع أي دولة عربية، وقنوات الحوار بينها وبين الجميع سالكة، واتصالاتها معهم بالإجمال قائمة ومتواصلة، وهي بهذه الصفة قادرة أن تكون نقطة التقاء بين الأضداد، وعنصر توفيق بين المواقف.

ونجاح تونس النسبي في الإفلات من التداعيات الخطيرة لثورات الربيع العربي، التي هددت الاستقرار السياسي والأمني للعديد من الدول العربية، يمكن أن يكون عاملًا مشجعًا، وبيئة مساعدة، للدبلوماسية التونسية في سعيها لتنقية الأجواء العربية، وانتشالها من الغيوم السوداء التي تحيط بها على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية .

تونس بخلاف معظم الدول العربية، ليست لديها أجندة خاصة في القمة، والنجاح الوحيد الذي تسعى إليه، هو تقريب وجهات نظر الدول العربية، والتجسير بين المواقف المتباينة، وإيجاد القواسم المشتركة التي يمكن الانطلاق منها والبناء عليها.

وهي في هذا تملك رصيدًا مهمًا وتجربة ثرية، كما تملك إرثًا غنيًا على هذا الصعيد، كوّنته خلال استضافتها جامعة الدول العربية في فترة حساسة كان فيها العمل العربي المشترك يمر بفترة حرجة ودقيقة، تطلّبت إدارتها مهارة دبلوماسية عالية، وطواقم عمل محترفة لتجاوزها.

يضاف إلى ذلك، أن تونس منخرطة فعلًا في الجهود المبذولة لحل بعض الأزمات العربية، لا من باب المسؤولية الأدبية والقومية فقط، بل لأنها كغيرها من الدول العربية التي شهدت ثورات شعبية في الشارع، كانت مهددة في أمنها الوطني واستقرارها السياسي، فضلًا عن أنها ضمن طيف واسع من الأزمات التي تغطي شمال أفريقيا برمته.

ولا شك أن تونس تملك من هذا الباب، نموذجًا يمكن الاستفادة منه، في إعادة ترتيب الأحوال في الدول العربية التي ما زالت تعيش أزمات ما بعد الربيع العربي .

الدور التونسي -على حيويته- لن يكون كافيًا، لإحداث التغيير في المواقف العربية، أو لتجاوز ركام الأزمات التي تواجهها القمة المقبلة؛ لذلك هناك من يعوّل على التطورات التي شهدتها الساحة العربية ككل، منذ القمة السابقة وحتى اليوم.

فالأوضاع في سوريا تتجه نحو التهدئه وربما الانفراج، والمواقف العربية بشأن حل الأزمة السورية لم تعد على نفس درجة التناقض التي كانت سائدة في الأعوام الأولى لتلك الأزمة، ويبدو أن الانفراج في العلاقات الثنائية بين سوريا وبعض الدول العربية، سيكون بمثابة إرهاصات لتغيير أوسع في المواقف العربية، بشأن استعادة سوريا عضويتها في الجامعة العربية، وإذا تحقق ذلك فإن هذا وحده، سيكون تطورًا مهمًا وإنجازًا يحسب لتونس، تصبح بعدها القمة المقبلة تاريخًا مهمًا بين زمنين ومرحلتين.

كذلك فإن التطورات في ليبيا تشير إلى أن موجة الإرهاب هناك في طور الانحسار، والجهود السياسية لإجراء انتخابات وتوحيد الجيش، هي عوامل مشجعة تسمح للقمة العربية المقبلة بمقاربة هذه الأزمة بشكل أوسع، وأكثر فعالية من المرات السابقة.

إلى ذلك، فإن ثمة تناميًا في التوافق العربي، على مفهوم الإرهاب والتصنيفات المرتبطة به، وكيفية التعاون للتصدي له باعتباره شرًا مستطيرًا يطال كافة الدول العربية دون استثناء أو تمييز.

وحتى على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية فإن معظم الدول العربية تجد بعد تجاربها المريرة مع دول الجوار الإقليمي، أو القوى الدولية، أن بناء نظام عربي -حتى بالحد الأدنى- من شأنه أن يساعد في قطع الطريق أمام كل القوى التي تحاول الاستفراد بالدول العربية، لإلحاقها بأجندات لا تتفق لا مع المصالح العربية العليا، ولا مع المصالح الوطنية القطرية.

قمة تونس قد تكون فرصة يمكن انتهازها لمصارحة واسعة حول المسكوت عنه، لكنها -في نفس الوقت- قد تكون واحدة من الفرص الكثيرة الضائعة التي يهدرها من يستمرئ التغريد خارج السرب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com