الهند وباكستان بين نُذر الحرب وفرص الانفراج

الهند وباكستان بين نُذر الحرب وفرص الانفراج

تاج الدين عبد الحق

 

لا تحمل المواجهة الجديدة بين الهند وباكستان نُذر حرب شاملة بين البلدين، بل لعلها تكون مدخلًا للسلام، أو لتهدئة طويلة الأمد، كما حدث في مواجهات سابقة بين الجارين اللدودين، قبل أن يتوصلا في كل مرة إلى اتفاقات حفظت الهدوء سنوات، ومكنت البلدين من فتح قنوات تعاون عديدة.

والحرب بين البلدين ليست خيارًا نهائيًا، لأيّ منهما، والخلافات  المزمنة بينهما مهما تفاقمت، لا يمكن أن تحسمها القوة العسكرية، حتى لو استقوت بالسلاح النووي، ولوّحت به.

فعلى مدى 7 عقود شهدت الحدود بين البلدين ثلاث حروب دامية، بخلاف العمليات التي كانت تقوم بها تنظيمات كشميرية تطالب إما بالانضمام لباكستان بحكم الرابطة الدينية، أو الاستقلال عن البلدين، وإقامة كيان سياسي مستقل على قاعدة حق تقرير المصير.

وحتى الآن لم تفلح الجهود السياسية، ولا الوساطات، في الوصول إلى قواسم مشتركة تؤسس لحل سياسي مقبول للقضايا العالقة بين البلدين، وكان أقصى ما كانت تنتهي إليه المساعي الدبلوماسية، سواء الثنائية منها، أو الوساطات الإقليمية والدولية، هو الوصول إلى تهدئة تطول حينًا،  وتقصر حينًا آخر، تبعًا للمناخ السياسي الدولي، والتطورات الداخلية والإقليمية المتصلة بالأزمة.

وعقدة الخلاف بين الهند وباكستان هي إقليم كشمير، الذي تقاسمته ثلاث دول، هي: الهند التي سيطرت على الجزء الأكبر، والذي يعادل 47 بالمئة، من المساحة الكلية للإقليم، وباكستان التي سيطرت على حوالي 38 بالمئة، ثم الصين التي سيطرت على البقية الباقية من الإقليم دون اعتبار لاختيار ورغبة الكشميريين أنفسهم.

وباكستان التي تربطها بالإقليم روابط دينية وعرقية، لا تمانع من أن يُجرى استفتاء لتقرير مصير الإقليم، على أمل أن تأتي نتائج الاستفتاء وفق الهوى الباكستاني، سواء بالتصويت لصالح الانضمام لباكستان أو لصالح استقلال الإقليم، لعل هذا الاستقلال يمهد لاحقًا إلى علاقة خاصة مع إسلام أباد.

  أما بالنسبة للهند، فإن خيار الاستفتاء لتقرير المصير ليس مطروحًا الآن، على أجندة أي بحث عن حل سياسي للأزمة، فمثل هذا الاستفتاء، فضلًا عن أنه يمس السيادة الهندية على الإقليم، المستمرة منذ الاستقلال عن بريطانيا العام 1947،  فإنه قد يكون سابقة بالنسبة لبلد يعج بالقوميات المختلفة، والإثنيات المتباينة.

وعلى الرغم من اختلاف ظروف إقليم كشمير الجغرافية، والتاريخية، والدينية، عن كثير من الأقاليم  الهندية، وعلى الرغم من أن الهند سبق لها أن وافقت على مبدأ الاستفتاء، إلا أنها تتردد الآن في القبول به، لأن  هذا القبول قد يفتح بابًا واسعًا أمام اضطرابات عرقية ودينية داخل بلد تتعدد فيه القوى السياسية والإثنية.

وعلى وقع المشاعر الدينية، التي أججها انتشار ما عُرف بالمجموعات الجهادية في أكثر من دولة إسلامية، أخذت القضية الكشميرية منحى آخر، فبدلًا من أن يتعزز النضال السياسي من أجل إجراء الاستفتاء الذي سبق للأمم المتحدة أن أقرَّته العام 1948، أخذت العديد من المجموعات الكشميرية في الجزء الذي تسيطر عليه الهند، العمل من أجل انتزاع الاستقلال بالقوة، وهو الأمر الذي  أدَّى إلى اندلاع حربين بين الهند و باكستان،  بعد اتهام نيودلهي لإسلام آباد بدعم الكشميريين، وتزويدهم بالعتاد والتدريب.

وهذا التطور خلق ردة فعل متشددة في الهند إزاء الاستفتاء الذي أصبح يُنظر إليه على أنه سيكون نوعًا من المكافأة لباكستان، أو رضوخًا للحركات الجهادية الكشميرية، وهو ما لم يكن مقبولًا حتى بالنسبة لقوى إقليمية ودولية كانت تتعاطف مع فكرة الاستفتاء.

والواضح بعد أكثر من 70 عامًا، على تقسيم القارة الهندية، واستقلال باكستان عنها، أن فكرة استقلال كشمير عبر الاستفتاء تبتعد، بعدما أُقصيت القوى المدنية الكشميرية، عن القيام بأيّ دور في هذا المجال، وبعد أن تسيَّدت المشهد في الإقليم قوى الإسلام السياسي التي ظلت تملك أجندة تتجاوز الإطار الوطني للأزمة الكشميرية، والذي يعمل على تحويلها إلى قضية نزاع بين العالم الإسلامي والهند رغم أن أعداد المسلمين فيها أكثر من 200 مليون مسلم.

ما بين الهند وباكستان يجب أن يحلَّ بالحوار، ومن مصلحة العالم العربي العمل من أجل حل سياسي مقبول، يُخرج أزمة كشمير من بورصة المزايدات الدينية التي أعاقت إجراء الاستفتاء في البداية، وأبعدته كخيار للحل فيما بعد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com