نقاب الإرهاب

نقاب الإرهاب

تاج الدين عبد الحق

نخطيء كثيرا إذا نظرنا إلى النقاب كأداة من أدوات الجريمة الإرهابية التي وقعت في العاصمة الإماراتية أبو ظبي. ونخطيء أكثر إذا اعتبرنا أن حظر ارتداء النقاب، في الأماكن العامة، أو رفع الحصانة عن المنقبات، واخضاعهن للتفتيش هو الحل، فكل ذلك هو علاج لأعراض المرض، لكنه ليس الدواءالشافي ولا العلاج الناجع.

النقاب حاله حال كثير من المفاهيم، التي سيطرت على حياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية، وأخذت بسبب حسن النية حينا، والغفلة، وسوء التقدير أحيانا أخرى، بعدا جعل منها مفاهيم مقدسة، لا يمكن التعرض لها لا بالمراجعة ولا النقد.

لكن هذه المفاهيم لم تبق اجتهادات فكرية، ولا خلافات فقهية، بل تحولت بالممارسة، إلى آليات عمل تتيح لبعض التنظيمات، فرض هيمنتها ورؤيتها، مرة تحت دعاوى الإصلاح، ومرات بدعوى التصدي للفساد.

وفي إطار هذه المفاهيم تربى جيل لا يملك الحس النقدي الذي يساعده على التمييز بين ما هو غث وما هو سمين، وما هو علاج شاف، وما هو سم زعاف.

هذا الجيل هو الذي يجعل من الماضي، بكل تفاصيله وحيثياته مثله ومثاله، وحياته ومماته، وكأن الحياة لا تتتبدل وكأن الأرض ثابته لا تتحرك. يبحث في الماضي عن الرمز والقدوة، حتى لو كان التعبير عن ذلك الماضي شكلا بدون مضمون، ومظهرا بلا معنى.

جيل تربى على الاحتفاء بالموت، واسترخاص الحياة. حوّل النفس البشرية إلى ثمن بخس يقدم على مذبح الشهوة، أو تخلصا من مسؤولية أو هربا من احباط، لتصبح العمليات الانتحارية جهادا، وقتل الناس وسحلهم وقطع رؤوسهم تكليفا شرعيا.

المرأة التي تلفعت بالنقاب لتنفيذ جريمتها في أبوظبي، ليست هي المجرمة الحقيقية، والنقاب الذي تسترت به، ليس هو الوسيلة التي ساعدتها على تنفيذ الجريمة. المجرم الحقيقي هو من زرع في عقلها وقلبها تلك الثقافة العدمية، وجعل منها روبوتاً آلياً ينفذ بدون وعي ولا نقاش، ودون أن يخشى حساباً أو عقاباً.

والنقاب الذي أخفت به وجهها هو نقاب يخفي وراءه منظومة كاملة من المفاهيم والمصطلحات التي تعطي للإرهاب مشروعية، وتجعل منه طريقا للخلود، ومخرجا للخلاص.

والذين يطالبون اليوم برفع الحصانة عن النقاب، يخطئون الطريق، ويحيدون عن الدرب. فالمسألة ليست مسألة نقاب، بل ما وراء النقاب ومن يشيع ثقافة النقاب.

من يدافع عن هذه الثقافة، هو من استباح الفضائيات وجعل منها وسيلة للتجييش والتحريض، مرة بشكل مباشر، ومرات بإخراج أحداث تاريخية من سياقاتها، وجعلها أمثولة يقتدي بها شباب يفتقدون العلم والتجربة، أو يفتقدون من يأخذ بيدهم إلى طريق الأمل.

من يدافع عن هذه الثقافة ومن يتحمل وزر ثقافة النقاب هم الذين جعلوا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيلة لإرهاب المجتمع وقولبة مفاهيمه على مقياس ضيق، يجعل الحداثة بكل مافيها من انجازات للضلالة، ويعطي للتخلف والجهل بكل مافيه من نتائج طابع القداسة.

من يتحمل المسؤولية هم خطباء المساجد، وأصحاب المنابر الذين رددوا بلا ملل ولا فائدة خطابا واحدا مكررا، بمفرداته ومصطلحاته وموضوعاته، جاعلا من أقوال السلف وفتاويهم واجتهاداتهم مسلمات غير قابلة للطعن أو النقاش.

حادثة النقاب في أبوظبي وما يماثلها في عواصم عربية أخرى تظهر أننا نعيش جميعا عصر الأرهاب، وإن اختلفت أشكاله ومسمياته، فمن يرهب الناس في سوريا والعراق عن طريق القتل والذبح، يرهبهم في دول عربية أخرى بأفكار وخرافات تدفعهم للانتحار والموت.

والقول بأن الدافع لإرتكاب الجريمة في أبو ظبي، هو دافع فردي، لا يعني عدم وجود صلة أو علاقة بالتنظيمات الإرهابية في الخارج، فهذه العلاقة موجودة حتى لو لم تكن علاقة تنظيمية، والصلة بينهما قائمة ومؤكدة، طالما يستقيان من نهر واحد، ينبع من فكر ظلامي جامد.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎