رغبات صغيرة في زمن نهم

رغبات صغيرة في زمن نهم

كانت هذه معادلة جوسلين البسيطة جداً ، معادلة غريبة في زمن الأنانية وتكديس رغبات لا نحتاجها في واقع الأمر بل قد يكون ثمة من هو أحوج منها إلينا ،إلّا أننا لا نفكّر بمنطق القناعة بل بمنطق يهجس بالإمتلاك لأجل الإمتلاك فقط ،منطق العصر الذي يتوهم ارتباط السعادة بالمال والحال أن لا علاقة بينهما مطلقاً ..

وئام غداس

لا تصحّ قراءة جوسلين على أنّها امرأة قنوعة ، مثلما لا تصحّ قراءتها على أنّها بلهاء .

بطلة الفرنسيّ غريغوار دولاكور في رواية (لائحة رغباتي) امرأة محيّرة فعلاً ذلك أنّها لم تجد شيئا كبيراً لتفعله بمبلغ ثمانية عشر مليون يورو تربحها بالمصادفة من خلال ورقة يانصيب لم تسعَ إليها بدورها بل

تلبية لرغبة صديقاتها كقبيل من المزاح ليس أكثر ولا أقلّ ، لكن معجزة الحظّ تحدث وتربح ورقة جوسلين !

هاهي إذن جوسلين أو ”جو“ امرأة أربعينية متوسطة الجمال تعيش مع زوج بدأ يفقد شهية الحبّ ويغرقفي برود الروتين ، ابن وابنة مبتعدين بحياتهما الخاصّة والمستقلّة وبأحلام الشباب في تحقيق الذات ، أب طاعن في السن يعيش بذاكرة متحوّلة بين كل ستّ دقائق وأخرى بسبب جلطة دماغية ، جوسلين التي كرّست حياتها فضلا عن عائلتها الصغيرة وبعض الصديقات المقربات لمحلّها لبيع لوازم الخياطة ومدوّنة علىالشبكة العنكبوتية لهواية الخياطة حيث تساعد كثيرا من النساء الوحيدات على التخلص من الوحدة والكآبة والإنشغال بالأعمال اليدوية الفنية هكذا تشتهر مدوّنتها وتحصد عدداً جيداً من المتابعين والمحبيين ، في ريفها الهادئ البعيد ابتكرت جوسلين سعادتها الخاصّة واخترعت دفئها وسكينتها ، كانت راضية في المجملعن حياتها وتعتبر أنها قد حققت إلى حد ما سعادتهاّ .

ماهو الإكتفاء بنقص المال ؟ ماهي السعادة ؟ كيف بإستطاعة شخص أن يفكّر في لائحة إحتياجاته فلا يجدالكثير ؟ ستبدو المسألة مضحكة جدّاً أمام تغوّلنا وفوبيا الإمتلاك التى تحاصر الإنسان منذ الأزل ، مرض الإستحواذ المتفاقم عندنا يوما بعد يوم ، رغبتنا الملحّة في أخذ ما نحتاجه وما لا نحتاجه أيضاً ، سنضحككثيراً مثلاً أمام لائحة جوسلين لأننا سنقرأ :مصباح من أجل طاولة المدخل ، مقلاة ”تيفال“ ،حصيرة حماممانعة للإنزلاق ، قشارة بطاطا ،سكين خبز ، معطف جديد … ويمكن أن تتخلص كل إحتياجات جوسلين في اشياء من هذا النوع ، أشياء لا تمثل شيئا قياسا بالمبلغ الذي باتت تمتلكه ، تُضيف بالتالي لقائمة الإحتياجاتقائمة للرغبات هي ترغب في قص شعرها ، في أن تكون محبوبة ، أن تكون جميلة ، أن تساعد أولادها ببعض المال وتحقق أحلام زوجها وصديقاتها ، لكن المبلغ أيضاُ لا ينتهي ولا ينقص الشيء الكثير.

تضع جوسلين قائمتها هذه لكن خلسة فهي لم تجد أي صيغة أو طريقة لإخبار محيطها بالأمر ، امّا الشيءالأهمّ فهو أن جوسلين تخاف المال الكثير وتعي مدى خطورته على سعادتها الحاضرة . لا تعرف هل ستحافظحياتها على ذات الهدوء والرضا والسعادة أم أنها ستتغيّر ، وخشيت كثيراً أن تقايض الحبّ بالمال الوفير ، ما الذي سيعنيه الغنى بلا سعادة؟

كانت هذه معادلة جوسلين البسيطة جداً ، معادلة غريبة في زمن الأنانية وتكديس رغبات لا نحتاجها في واقعالأمر بل قد يكون ثمة من هو أحوج منها إلينا ،إلّا أننا لا نفكّر بمنطق القناعة بل بمنطق يهجس بالإمتلاك لأجلالإمتلاك فقط ،منطق العصر الذي يتوهم ارتباط السعادة بالمال والحال أن لا علاقة بينهما مطلقاً ..

تكتشف جوسلين أن سرها كان مفضوحا وأن زوجها عالم به عندما تكتشف اختفاءه ذات صباح ومعه الشيكالضخم ، يسرقه ويمضي .. ويقوّض كل قناعاتها بالحبّ والتضحية ، يقرّر عنها أنّ زمن الإخلاص قد ولّى وأنّ زمن الخيانة قد بدأ منذ وقت طويل .