براءة مبارك الاختبار الصعب

براءة مبارك الاختبار الصعب

إميل أمين

لعل أفضل تعبير أطلق على الحال في مصر بعد قرار محكمة جنايات القاهرة تبرئة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك مما نسب إليه ، هو أنها في “اختبار صعب” ، والتعبير صادر عن الإذاعة البريطانية أي عن رؤوس بريطانية باردة تعرف كيف تفكر، لا من عقول عربية ساخنة عادة ما يحيد صوابها عن جادة الحقيقة .

اختبار صعب لأنه يضع النسيج الاجتماعي المصري في مأزق عريض وكبير ، مأزق يمضي بين أزمتين ، أزمة مادية ملموسة وأخرى معنوية مفقودة .

أما الأولى فتتعلق بالحكم ، والذي استنكره الكثيرون ، غير أن واقع الحال يشير إلى أن القاضي ليس جهة جمع أدلة أو مستندات ولهذا فانه حكم من خلال ما قدم له من قبل أجهزة البحث الجنائي ، والتي لم يوجد بها ما يدين مبارك أو العادلي ومساعديه .

فيما المأزق المعنوي فيتصل بدماء الشهداء التي ضاعت في الميادين ، ومن المسؤول عنها ، عطفا على ما ولدته معارك الثورة من مرارة في نفوس قطاع كبير من المصريين .

يأتي الاختبار الصعب بعد انتصار باهر جرى نهار 28 يناير المنصرم ، أي بعد فشل الإخوان والسلفيين ومن لف لفهم في حشد الجموع أو إثارة المصريين ضد النظام تحت دعاوى الثورة الإسلامية المزيفة .

غير أن التئام الجمع على هذا النحو ربما أصابه عطب ما ، ولهذا سارعت قوى الإسلام السياسي من جديد إلى اتخاذ الأمر تكئة ومنطلقا لإحداث فوضى في الشارع المصري وتأليب الجماهير على النظام ، تمسحا في دماء الشهداء .

وليس سرا نذيعه أن البعض بدا ينذر ويحذر من ثورة مصرية جديدة في 25 يناير القادم ، وهو كلام أجوف في حقيقة الأمر حتى وان كان حكم براءة مبارك لا يعجب ملايين من المصرين .

يقول نفر من هولاء ربما كان مبارك بالفعل برئ من دماء الشهداء ، لكنه غير برئ بالمطلق مما جرى في نهايات عهده من فساد ومحسوبية ورشوة ومحاولة توريث السلطة لابنه ، وهذه ذكرها القاضي الرشيدي في حيثيات حكمه ، غير أن هذا كله ما كان يتناسب والولوج في محاكمة جنائية لرئيس الجمهورية الأسبق عملا بقانون العقوبات واستبدال الأفعال الخاطئة في نطاق المسؤولية السياسية بالجرائم المشار إليها في منطوق الاتهام .

يتساءل بسطاء القوم والعوام في الشارع المصري ، وهناك من يذكي تساو لاتهم : هل مبارك يمكن أن يعود ثانية إلى صدارة المشهد ؟

ينسى هولاء أن التاريخ لا يعود إلى الوراء وانه وان كانت المحكمة قد برأت مبارك جنائيا إلا أنها إدانته أدبيا وضمنا ،تصريحا لا تلميحا .

لم يقفل الملف عند هذا النحو فربما تمضي النيابة في الطعن على حكم مبارك ، غير أن احتمالات أدانته من جديد تبقى ضئيلة لأسباب تتمثل في ثغرات قانونية جرت بها المقادير مع الثورة .

لقد كان القاضي الرشيدي واضحا وصريحا في الإشارة إلى أن تيار الإخوان المسلمين ومن معهم من العملاء، إضافة إلى ميليشيات عربية من دول مجاورة ، مع بعض جنسيات أجنبية هم الذين خلفوا وراءهم القتلى وهم الذين حطموا جراج السفارة الأمريكية ليسرقوا سياراتها التي صدمت المواطنين من اجل تعميق الهوة بين الشعب وبين نظام مبارك.

غير أن هذا الاعتراف في واقع الحال يمثل عبئا ثقيلا على النيابة العامة التي بات عليها أن تقدم الجناة الحقيقيين للعدالة حتى لا تضيع دماء المصريين وشهدائهم هباء منثورا على هذا النحو ، وحتى تقر الأعين الساخنة ،وترتاح الأفئدة الملتاعة على غياب الأحبة .

ثم ماذا بعد الحكم ؟

هذا هو الوضع الصعب الذي تواجهه مصر حاليا والذي يحتاج إلى حكمة سليمان في التعامل معه ، فعلى صعيد الشباب الثوري النقي الحقيقي لا المغشوش لا بد من أفكار غير تقليدية من قبل الحكومة المصرية الحالية لتهدئة روعه واحتضانه عوضا عن أن يلقي بنفسه بين أحضان التيارات الدينية المتطرفة .

كما يتوجب على هولاء الشباب من جهتهم أن يحكموا العقل بشيء من الحصافة رغم مشاعرهم المجروحة فإشعال الوطن لا يصب إلا في خانة أعداء الوطن ، والتحالف مع القتلة سيزيد الدماء في الميادين وعندما تسيل الدماء تتعذر المصالحة في الحال والاستقبال .

مصر على أبواب نهضة حقيقية اقتصادية وفكرية ، على أبواب العودة من جديد لتأخذ دورها الريادي في الإقليم دون ادني شوفينية ، وقطعا هناك من يتطلع لان يقطع عليها الطريق ، ولهذا يتوجب على المصريين فهم أبعاد المؤامرة . لا نريد نجاح الثورة وإسقاط الدولة .

مصر لن تنكسر .. حمى الله مصر والمصريين .. جيشا وشعبا وقيادة .

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع