قمة بيروت والفرص الضائعة

قمة بيروت والفرص الضائعة

تاج الدين عبدالحق

فقد لبنان فرصة الاستفادة من القمة العربية الاقتصادية، التي تستضيفها بيروت في العشرين من يناير الجاري، فالقمة التي كانت عاملًا ضاغطًا باتجاه تأليف حكومة لبنانية جديدة، والتي تعثر تشكيلها مدة تقرب من عشرة شهور، باتت الآن سببًا في تعطيل التشكيل، بعد أن أظهرت المشاورات والاتصالات بين القوى السياسية في لبنان، أن هناك من كان يحاول الاستفادة من الجو السياسي الضاغط لاستضافة القمة، في سبيل الحصول على تنازلات، وتأمين امتيازات، تتجاوز المحاصصات السياسية التقليدية في البلاد.

وما كان إلى الآن نوعًا من المماحكة السياسية والحزبية، بين القوى السياسية اللبنانية المختلفة، بات بعد فشل جهود التشكيل، ونجاح قوى التعطيل، حالة مستعصية ومرضًا مزمنًا، قد يحتاج لبنان إلى وقت طويل للشفاء منه، والتخلص من آثاره.

استضافة هذه القمة العربية، على أهمية المناسبة لبلد مثل لبنان، لم تكن فيما يبدو كافية لتوافق اللبنانيين على تشكيل الحكومة، وسيكون ذلك سابقة تجعل من غياب التشكيل وتعثر التأليف حالة مرضية، يتعين التعايش معها والقبول بها، مادامت هناك إمكانية لتجاوز الأزمات ومواجهة الاستحقاقات، بالمسكنات وأنصاف الحلول، التي تجعل من المؤقت دائمًا، ومن حكومة تصريف الأعمال الانتقالية حكومةً مستدامةً، تتهيأ الآن للعمل كطاقم حكومي كامل الدسم، يبتّ بالقضايا العاجلة أو الضاغطة، التي ظلت مؤجلة أو مسكوتًا عنها، بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة.

الفرصة الثانية التي أضاعها لبنان، هي أن القمة التي كان البعض ينظر إليها كبداية لتصفية الخلافات بين الدول العربية، وقعت هي نفسها ضحية لتصفية خلافات إقليمية وحزبية ضيقة. فقد طرحت بشكل مفاجئ مسألة مشاركة سوريا وليبيا بالقمة، لا كقضية خلافية بين العرب، بل بين اللبنانين أيضًا، كما لو أنها كانت شأنًا لبنانيًا، وكأنما بيروت هي التي تحدد من يحضر ومن يغيب.

الأدهى من ذلك أن مسألة المشاركة السورية، توسعت وتطورت، ووضعت بشكل أو آخر، في سلة واحدة مع مشاركة ليبيا في القمة، فاستدعي على نحو مفاجئ وغير منتظر الخلاف التاريخي معها، بشأن اختفاء أو اختطاف مؤسس حركة أمل موسى الصدر قبل أكثر من ثلاثة عقود، ليصبح سببًا في المطالبة بمنع اشتراك الحكومة الليبية بالقمة، بحجة أن هذه الحكومة لا تتعاون بما فيه الكفاية مع السلطات اللبنانية، لإماطة اللثام عن حقيقة اختفاء الصدر وما آل إليه.

ورغم الاختلاف الواضح بين المشاركتين السورية والليبية، ومبررات رفض مشاركة كل منهما، إلّا أن القضية الليبية استخدمت بشكل استعراضي، وكذريعة للرد على الذين اعترضوا على دعوة سوريا للقمة، بل إن هؤلاء وجدوا فيها فرصة لتسميم أجواء الاجتماع، بعد أن فشلوا في فرض أجندتهم السورية عليه، فأقدمت مليشات حركة أمل على إنزال أعلام ليبيا وحرقها، ومنع دخول شخصيات ليبية لمطار بيروت، وهو الأمر الذي أحرج الحكومة اللبنانية، وأدى في نهاية المطاف إلى إعلان ليبيا مقاطعتها للقمة والامتناع عن حضورها، بل والتهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية مع لبنان.

المتابعون للتصعيد ضد ليبيا يقولون، إنه رد غير مباشر، على فشل دعوات بعض القوى الحزبية لتوجية الدعوة لسوريا لحضور القمة، رغم علمها أن مثل هذه الدعوة أمر يتجاوز صلاحيات وسلطة الحكومة اللبنانية. ومع أن هذا التصعيد أضعف الموقف اللبناني أمام أشقائه العرب، إلّا أن تلك القوى الحزبية كانت مستعدة لتوظيفه في خدمة تحالفها مع سوريا؛ وصولًا إلى التأكيد على أن لمقاطعة دمشق ثمنًا سياسيًا، وأنها رقم صعب عند الضرورة.

قمة بيروت الاقتصادية، التي كان ينظر إليها كمختبر للمواقف السياسية، التي تنتظر القمة العربية المقبلة في تونس في مارس المقبل، أضافت للخلافات العربية العربية، أبعادًا جديدة، وقد فوّتت الخلافات التي جرت عشية انعقاد هذه القمة في لبنان، فرصة إجراء مشاورات جادة لإصلاح البيت العربي؛ إذ إن الخلافات التي ظهرت في الأيام الأخيرة داخل الساحة اللبنانية، ستنعكس على مستوى التمثيل العربي فيها، وعدد من سيحضر رغبة في المشاركة، وأولئك الذين يشاركون لرفع العتب.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com