لماذا تريثت واشنطن في الانسحاب من سوريا؟

لماذا تريثت واشنطن في الانسحاب من سوريا؟

المصدر: تاج الدين عبد الحق

لايشكل تريث الولايات المتحدة في الانسحاب من سوريا، تغييرًا في الاستراتيجية الأمريكية، فالقرار ليس أكثر من محاولة من إدارة الرئيس دونالد ترامب لاحتواء الآثار الداخلية التي توجت باستقالة وزيرالدفاع ماتيس احتجاجًا على القرار، وامتصاص ردود الفعل الخارجية التي تمثلت في شعور بعض القوى المحلية والإقليمية بالخذلان، وشعور بعضها الآخر بالانتصار.

الولايات المتحدة لا تريد أن يؤدي انسحابها من سوريا، إلى تقليص تأثيرها على المسار السياسي المنتظر للأزمة السورية، ولا أن تجعل من هذا الانسحاب، عامل ضغط على حلفائها في سوريا والمنطقة، ولا ميزة لخصومها تعزز أوراقهم التفاوضية، عند بدء البحث عن حلول ومخارج.

الجميع يعلم الآن أن قرار واشنطن بالانسحاب من سوريا، بات نهائيًا حتى لو تأجل، وأن تأخيره لن يكون مفتوحًا حتى لو طال، فالقرار هدفه احتفاظ الولايات المتحدة بموقعها ضمن اللاعبين الأساسيين في المرحلة السياسية المقبلة من الأزمة، والتي تتجه فيها الأطراف المختلفة لاقتسام حصص في الحل  أو الحصول على مغانم  من السلطة .

وتعلم الإدارة الأمريكية أن قدرتها على البقاء ضمن دائرة التأثير في الأزمة السورية، لا تتوقف على وجود عسكري أمريكي مباشر، بقدر ما ترتبط بوجود حلفاء مؤتمنين لها، سواء ضمن صفوف المعارضة السورية، أو ضمن القوى الإقليمية الفاعلة في الأزمة.

ولذلك فإن مشاعر الخذلان التي شعرت  بها القوى الحليفة لواشنطن في سوريا، أو القوى الإقليمية التي لا تريد أن يحسم الحل السياسي لصالح النظام السوري وحلفائه الإيرانيين، هي التي جعلت إدارة ترامب تتريث في قرار الانسحاب ، حتى يظل عنصر تفاوض ضاغطًا في العملية السياسية المنتظرة، لإخراج الأزمة السورية من حالة المراوحة السياسية التي تعيشها، بعد أن تم إلى حد ما حسم المواجهة العسكرية.

عديد القوات الأمريكية في سوريا لايشكل عنصر ترجيح في المعادلة العسكرية الميدانية، إلاّ أنها تظل عنصر ردع هامًا في أي اشتباك سياسي قادم، وهدف الولايات المتحدة من البقاء في سوريا في المرحلة المقبلة هو ربط هذا الانسحاب بالتفاوض المنتظرعلى انسحاب كل القوى  العسكرية الأجنبية  من الأراضي السورية، وخاصة الإيرانية والمليشيات المتحالفة معها، وذلك في إطار الحل السياسي الشامل للأزمة، ويبدو أن واشنطن تتفاهم في هذا التوجه مع اللاعبين الأساسيين داخل سوريا والإقليم.

فالأتراك الذين كانت لهم تحفظات كبيرة على تأثير الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، على انتعاش النزعة الاستقلالية لدى الأكراد السوريين، حصلوا فيما يبدو على تطمينات من واشنطن، بأن دعمهم للأكراد لن يكون موجهًا ضد المصالح التركية، وأن أنقرة ستظل حليفًا أساسيًا لواشنطن مع ما يرتبه ذلك من التزامات سياسية وأمنية.

أما إسرائيل التي تبدي مخاوف من الانتشار الإيراني في سوريا، فإنها حتى لو استقوت بالوجود الأمريكي هناك، فإنها تستقوي به سياسيًا ، فهي بالعادة لا تعول على هذا الوجود كعامل ترجيح في أي مواجهة عسكرية مع إيران على الأراضي السورية، وهي تتصرف منفردة في هذا المجال، ولا يعنيها عمليًا وجود قوات أمريكية في الجوار وذلك جزء من العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي ظلت ترفض الاستعانة بدعم عسكري أمريكي مباشر في كل معاركها مع الدول العربية، وظلت تكتفي بالحصول على دعم بالمعدات والدعم السياسي عندما تحتاجه.

وحتى بالنسبة لإيران فإن الوجود الأمريكي في سوريا، لايشكل بحدوده الحالية تهديدًا عسكريًا، خاصة وأن الولايات المتحدة لها وجود أكبر في العراق، لكنه لم يؤثر على النفوذ الإيراني العسكري والسياسي في الأراضي العراقية.

وفي ظل هذه التوازنات الإقليمية والميدانية فإن واشنطن تعلم أن وجودها في سوريا خلال المرحلة المقبلة هو وجود رمزي بهدف سياسي، وأنها لا تملك بأي صورة فرصة حقيقية لتغيير المعادلة الميدانية في الأزمة السورية، اللهم إلا إذا غيرت استراتيجيتها العسكرية بالكامل وزادت عديد وعتاد قواتها العسكرية هناك، وهو أمر لم تفعله في ذروة الأزمة، فما بالك الآن حيث تبدأ مرحلة الأفول.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com