اذا حضرت الحرية ..!

اذا حضرت الحرية ..!
عائشة سلطان

عند الحديث عن الاعلام تحضر الحرية حتما ، فإذا كان ذلك وجب على الإعلاميين أخذ الحيطة والحذر ، ووجب على الجمهور المتلقي الإنتباه جيدا ، فلقد مضى زمن طويل وعالمنا العربي كله من أقصاه إلى أقصاه يحلم بالحرية كامرأة تتوحم على فاكهة محرمة ، دون أن يُنْتِج هذا العالم افعالا أو ضوابط راسخة تسهم في اقرار الحريات كواقع مستمر يفرض هيبته لا كحالة مؤقتة ليست اكثر من ردة فعل طارئة ، ذلك ان الحرية واقع يتراكم في حياة المجتمعات بالتجربة وليس بالأوامر والأمنيات ، فماهي الحرية التي نريدها ، ولماذا نريدها ؟ وكيف نتحصل عليها ؟ والأهم كيف نحميها من سوء استخدامنا وكيف نحمي أنفسنا من طغيانها !

الحرية ليست صيغة جاهزة ، إنها ليست زي طلاب مدرسة او ثياب عمال موحدة ، وهي ليست اوامر عليا على طريقة ( كن فيكون ) الحرية جميلة كأغنية وهي قاسية كمقصلة أيضا ، إنها تعتمد على طريقة وعينا بها وكيفية فهمها ودرجة تحضرنا ، وعلى بيئة وبنية القوانين التي تتحرك فيها وبالتوازي معها ، الحرية ليست مطلقة كحيوان مفترس ، ليس هناك شيئ مطلق بلا ضوابط في هذا العالم حتى الحرية ، كل مطلق يقود للطغيان وهذا يؤدي للفوضى حتما !

الحرية درس مبدئي وأساسي في احترام الحقوق :حقوقي وحقوق الآخرين ، في حفظ المصالح :مصالحي ومصالح المجتمع ، في الاعتراف الحقيقي بانسانيتي وكرامتي وبانسانيتك وكرامتك ، هذا يعني أن هناك حدود دائما ، وكما أن هناك خط فاصل معترف به بين الدول وأي اختراق له يشكل اعلان حرب على الآخرين ، فإن في الحرية كذلك خطوط لا يصح تجاوزها ولقد جربنا خلال الثلاث سنوات الأخيرة كيف أن الخلط بين مفهوم الحرية وممارسة الفوضى قد افرز اشكالا لا تحصى من التجاوزات وأفرز خدوشا على مستوى العلاقات والممارسات ، دون ان يؤسس لتجربة ناضجة يمكن ان يعول عليها في مسيرة التنمية الانسانية ، لنتذكر إن أول محاكمة حصلت في سجل ممارسة حرية الرأي والصحافة في الولايات المتحدة كانت قد حدثت في العام 1735 وكانت الولايات المتحدة يومها تخضع للسيطرة البريطانية ، يومها عُدّ انتقاد صحفي لحاكم احدى الولايات تطاولا واحيل الصحفي للمحاكمة وتحولت هذه الى تظاهرة حقيقية ادرجت فيما بعد ضمن الوثائق التاريخية الوطنية لمسيرة حرية الصحافة هناك لان المحاكمة اتخذت مسارات واعية وتم تصعيدها والبناء عليها لتقف الصحافة الامريكية اليوم كواحدة من اقوى وأعتى مؤسسات الاعلام في العالم !

لقد مر وقت خلال فوضى الثورات العربية الأخيرة خُيل للبعض أنهم أحرار في أن يفعلوا أي شيئ ، أن يحرقوا أوطانهم باسم الحرية وأن يفجروا المساجد والمزارات والكنائس باسم تحقيق الحرية ، أن يشيعوا الفوضى في الشوارع والجامعات ومراكز الأبحاث ويدبروا المؤامرات ويتهموا الآخرين في دينهم ووطنيتهم … ، لأن الوسائط الحديثة التي انتجتها ثورة الاتصال والتكتولوجيا قد هيأت لهم أن صاروا أحرارا أكثر مما ينبغي ، وأتاحت لهم مساحات لم يحلموا يوما بها فشربوا من الحرية المضللة حتى سقطوا ، وبما أن كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده ، فها نحن نشهد حالة الضد الآن على نطاقات واسعة ومخيفة !

الحرية تربية وتنشئة وتدريب وممارسة ، وليست في ان اشتم وأتطاول وأُخَوّن من أريد ، من لم يتعلم كيف يحترم وجود وحياة ودين ورأي الآخر لا يمكنه ان يطالب بالحرية لأنه سيستخدمها حتما ضد نفسه وضد غيره ، في الاعلام لابد أن يتعلم الصحفي كيف يكون حرا قبل ان يكتب كلاما فارغا عن الحرية ، ويعرف القارئ أن الحرية ليست له فقط ولكنها لغيره كذلك فلينتبه ، ويعي المسؤل أن ليس حرا ان يفعل ما يشاء لأن هناك من يفكر أيضا أن يفعل به ما يشاء وعندها فلا خيار سوى الفوضى ، الحرية انجاز صعب ، ومكلف جدا ، والذين حققوه ونحسدهم عليه قد استغرقهم الأمر قرونا وأجيالا وحروبا وخسائر بلا حصر حتى عرفوا الفرق بين ذهنية النقد الواعي وذهنية التحريم والفوضوى !

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة