هل حقا ماتت صباح؟

هل حقا ماتت صباح؟

المصدر: وئام غداس

قبل عام وفي هذا الشهر تحديداً كتبتُ مقالاً عن ظاهرة جديدة اسمها “هذا العام تموت صباح”، عبّرت فيه عن مدى استيائي من النكت التي باتت تُحاك حول صباح وعمر صباح، وعن الفلكيين الذين لايفوتهم كل نهاية سنة أن يذيلوا توقعاتهم بخبر موتها، وتساءلتُ: هل تموت حقا صباح؟

انتشرت في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات ظاهرة اسمها فستان صباح، وبعودة طويلة بعض الشيء إلى الوراء سنعرف أن صباح هي ذاتها جانيت فغالي الفتاة القروية الجميلة، ولدت عام 1927 في قرية صغيرة اسمها بدادون في وادي شحرور بلبنان وفي لبنان بدأت مسيرتها الفنيّة في سنّ صغيرة جدّا، وتفاعلاً مع الشهرة المحليّة الكبيرة التي اكتسبتها كلّفت المنتجة ذات الأصول اللبنانية آسيا داغر وكيلها في لبنان أن يقابل جانيت ويتفق معها على ثلاثة أفلام دفعة واحدة، وهي التي أطلقت عليها اسم صباح عندما نشرت صورتها في إحدى المجلات الفنية سائلة القراء اقتراح اسم لهذه الفتاة وقد اتفقوا جميعا على: صباح.

عام 1945 بدأت مسيرة صباح الفنية واستمرّت عقوداً من الزمن مسفرة عن عدد كبير من الأعمال السينمائية والمسرحية والغنائية ( 83 فيلم بين لبناني ومصري و27 مسرحية و3000 أغنية). وقفت صباح على خشبة أعرق وأضخم المسارح في العالم وقد اعتبرت ثاني فنانة عربية بعد أمّ كلثوم تغنّي على مسرح الألومبيا بباريس وذلك في منتصف السبعينيات إضافة إلى عدد من المسارح العالمية الأخرى كأنراغري في نيويورك ودار الأوبرا في سيدني وقصر الفنون في بلجيكيا وقاعة ألبرت هول بلندن وغيرها.

صباح الصوت الجبليّ الضخم، القويّ والناعم أيضا، رمز الأنوثة والدلع، الجمال والأناقة السيّدة “الكلاس”بكلّ ما تحمل الكلمة من معنى، الفنانة متعدّدة المواهب. إبداع صباح، الذي تجاوز الصوت لتكون أقدر الوجوه السينمائية، وظهرت مع أكبر نجوم السينما وقت كان الفنّ فنّاً يشهد عصره الذهبيّ، زخمه وأوج ازدهاره، وفي خضم الكثرة النوعية للوجوه الفنية في مصر والوطن العربي، آنذاك، نجحت صباح أن تحتل موقعها في الصفوف الأولى وتكونالنجمة والحلم الجميل والظاهرة.

الصبوحة هي المرأة العربيّة ـ أكاد أقول الوحيدة ـ التي لم تواجه أي حاجز نفسيّ لتحبّ وتعشق عشرات الرجال. لم تزهد في الشباب منهم، ولا هجست مثلما تهجس النساء العربياتعادة بالشعر الرمادي التجاعيد الدالّة على النضوج، وفهمت عمليّا أن لا أمل يرجى من الخارجين من العيادات الطبية، من كتب التاريخ ومن المجتمع الأبويّ ككلّ، تزوجت أكثر من تسعة زيجات ومن أجل هذا كله كانت وما تزال ظاهرة فريدة من نوعها.

فوجئ الغالبيّة عندما تم الإعلان عن العمر الحقيقي للشحرورة والذي لم يتجاوز ال87 عاما عندما توفّيت لأنه لفرط ما تردّد حول عمرها المتقدّم ظننا جميعاً أنها ربما قد كانت فيعامها المائة أو أكثر وهو ما كان دائما يثير سخطي واستنكاري، إذ ما الفرق بين أن تموتصباح هذا العام أو أنها ما تزال حية أو أنّها ماتت قبل عشرة أعوام؟

هل ستموت صباح في الذهن والوجدان العربيّ؟ هل سيتبدّل شيء من حقيقة أنها أيقونة من أيقونات الفنّ الجميل؟ كلّ الذي مثلته الصبوحة ستظلّ تمثله إلى الأبد سواء ميتة أو علىقيد الحياة، فالرموز تخلد بحجم حالة الفرح والحزن وحالات التجلّي والدهشة والانفعالوالمتعة التي تغرقنا نحن الناس العاديين كلما ارتفع صوت أو لمع وجه أو سطعت التفاتة.

نعم صدقت التوقعات أخيراً هذه المرة ورحلت صباح، فهل ماتت حقّاً ؟

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع