قمة إبراء الذمة (2)

قمة إبراء الذمة (2)

المصدر: تاج الدين عبد الحق

ظلت صيغة الأمن التي نتجت عن قيام مجلس التعاون عام 1981 أسيرةً لفكرة أن الأمن الخليجي هو مسوؤلية دول المنطقة، وأن تحقيقه يجب أن يظل بعيدًا عن تدخلات القوى الكبرى. ولذلك كان من أبرز ما تم بحثه في بدايات عمل المجلس، تأسيس جيش خليجي وقوة خليجية بحرية ومنظومات صواريخ دفاعية خليجية، إلا أن ما تحقَّق على هذا الصعيد كان متواضعًا، من الناحية العملية، فلم يتجاوز تأسيس قوة درع الجزيرة، التي ظلت أقل عدةً وعتادًا من أن تواجه المخاطر والتحديات المتزايدة التي تحيط بدول المنطقة.

وقد أمتُحِنَتْ قدرة دول الخليج العربية على تأمين المنطقة مرتين: ففي المرة الأولى اضطرَّت للاستعانة بالقوى الكبرى لحماية صادراتها النفطية التي تعرَّضت للتهديد من قبل إيران، فقامت الكويت على سبيل المثال، برفع أعلام الاتحاد السوفيتي السابق على بعض ناقلاتها؛ لتتجنب الاتهامات بانحيازها للغرب، عندما لجأت إلى رفع أعلام  بعض الدول الغربية على العديد من الناقلات الخليجية.

أما المرة الثانية فهي غزو الكويت في عام 1990 من قبل العراق، والذي لم تستعن فيه دول الخليج بالقوى الدولية فحسب، بل قامت بإلغاء فكرة أن الأمن في الخليج مسؤولية دولة، وظهور مفهوم جديد يَعتِبر الحفاظ على أمن الخليج العربي مسؤولية المجتمع الدولي بالنظر للمكانة الإستراتيجية والنفطية التي يحتلها .

هذا التغير رغم أهميته من الناحية السياسية، إلا أنَّه أدَّى إلى إبطاء الجهود الخليجية لبناء منظومة دفاعية مشتركة، وذلك بعد أن تزايد الاعتماد على مظلة الدعم الخارجي .

على أنَّ هذا الدعم المباشر الذي تبدَّى واضحًا في عاصفة الصحراء في عام 1991 لتحرير الكويت، واستمر حتى غزو العراق في عام 2003، بات مشكوكًا فيه في السنوات الأخيرة بعد أن أظهرت القوى الكبرى تردُّدًا في تقديم التزام واضح تجاه أمن المنطقة، وهو ما ظهر جليًّا في فترة ما يعرف بالحقبة الأوبامية .

هذا التطوُّر استدعى مجدَّدًا التفكير بصيغٍ جديدةٍ للأمن الإقليمي قائمةٍ على القدرات الذاتية، لكن صيغة مجلس التعاون كانت ترهَّلت، ولم تَعُدْ قادرةً على الاستجابة لمتطلبات المرحلة؛ ما دفع السعودية إلى اقتراح فكرة  تطوير صيغة مجلس التعاون وتحويلها إلى صيغة اتحادية. على أن هذا الاقتراح لم يلقَ قَبولًا ولم يتم التوصل إلى  خطوات عملية وفعلية في هذا الاتجاه؛ ما دفع السعودية والإمارات للتفكير في صيغٍ بديلة تجسَّدت تنظيميًّا بقيام مجلس التنسيق السعودي الإماراتي، وعمليًّا بتقديم دعم عسكري سعودي إماراتي للبحرين في مواجهة التهديدات الإيرانية، وبعاصفة الحزم في اليمن، والتي لعب فيها البلدان الدور الرئيس، للتصدّي للتهديد الإيراني هناك.  ومنذئذٍ لم يعد لمجلس التعاون مِن دورٍ على الصعيد الأمني، خاصةً بعد أنْ بدأ  التهديدُ لأمن دول المجلس يأخذُ بُعدًا جديدًا تَمثَّل في إقدام بعض دول الخليج على تهديد شركائها في المجلس، وبعد أن استقوت تلك الدول بقوى إقليمية معادية من خارج المجلس كإيران وتركيا، وهو ما يمكن أن نجد تجسيدًا له في سياسات قطر الأخيرة.

في ضوء هذا التطوّر التاريخي لمسيرة المجلس، فإن القمَّة التاسعة والثلاثين التي استضافتها الرياض  أخيرًا،  تبدو – في ظل الوضع الحالي الذي يمر به مجلس التعاون- أقرب إلى قمَّة لإبراء الذمَّة. فلا أحدَ من الدول الأعضاء كان يعتقد أن هذه القمَّة يمكن أن تغيّر من واقع المجلس شيئًا، لكن بالمقابل فإن الحرص على الإبقاء عليه كان واضحًا، ومردُّه، أن لا أحدَ يريدُ تحمّل مسؤولية انحلال وتفكّك صيغة العمل الخليجي المشترك حتى لو لم يعد هذا المجلس مناسبًا كصيغة عمل جماعي يحفظ لدول الخليج أمنها واستقرارها، ويحميها من الخطر المحدق بها في أكثر من تجاه وبأكثر من صيغة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع