الغنيمة أثر ملموس للنصر

الغنيمة أثر ملموس للنصر

يوسف ضمرة

“ من أسوأ الأشياء التي يمكن القيام بها، هي أن توحي للقراء أنهم يفهمون شيئا بينما في الواقع لا يفهمونه. وأنّ شيئا تم تفسيره، بينما في الواقع لم يُفسر. وأنّ مشكلة حُلت، بينما في الواقع لم تُحل“.. المفكر البريطاني جون ر. سيرل.

لو أن الكاتب صاحب مؤلَّف“العقل“ كتبه بعد الأزمة السورية، لما ترددت في القول إنه كان يتحدث عنها.

فمنذ بداية الأزمة؛ منذ الأيام الأولى، حين سمعنا شعار“الشعب يريد إسقاط النظام“، ومنذ سقوط أول الضحايا، أخذ العديد من قادة العالم وسياسييه ومثقفيه، يؤكدون للناس يوميا، وعبر شاشات يراها الملايين، أن الأسد فقد شرعيته!

هذا الإيحاء الذي يوظفه الإعلام بشراسة ومهنية عالية، أدى إلى تشكيل رأي عام عربي وعالمي، يوحي بأن النظام السوري راحل بلا ريب، وأن مسألة رحيله مجرد وقت ليس أكثر. حسنا، فماذا يترتب على هذا الإيحاء؟

اليقين بالنصر عند العرب، مختلف عنه عند أمم أخرى. فالعربي حين يفكر بالنصر، تتجسد أمام عينيه الغنيمة. تلك ذهنية عربية بدوية كانت قائمة قبل الإسلام، وكرسها الإسلام وقعّدها كذلك. حتى إن الإسلام لم يغير المصطلح الجاهلي البدوي نفسه، فظل يسمي معاركه بالغزوات: وما أنا إلا من غزية إن غزت/ غزيتُ وإن ترشد غزية أرشدِ.

ولعل ما حدث في غزوة أحد، والهزيمة التي حاقت بالمسلمين، تؤكد مدى تشبع العقل العربي بفكرة الغنيمة في الغزو والمعارك والطعان. فبالرغم من وصية النبي لحراس الجبل، ألا يتركوا وظيفتهم حين يرون المسلمين يجمعون الغنائم، إلا أنهم خالفوا وصية النبي أمام مشهد الغنيمة.

صار من السهل في سوريا، وفي أكثر المناطق الريفية فقرا وجفافا وإهمالا، أن يعثر المسلحون على حواضن شعبية آمنة. ومع الوقت، تحولت هذه الحواضن إلى مراكز تدريب وتسليح يقصدها الآخرون من أماكن أخرى، طالما أن النظام راحل لا محالة!

لقد فهم بعض السوريين الأمر على هذا النحو، لأنه أريد لهم أن يفهموه كذلك. وحين جاء دور التفسير، لم يجد الإعلام صعوبة في تجنيد عشرات المثقفين والإعلاميين لتأكيد أسباب تلك الحقيقة المفترضة. كان التفسير يلامس وجدان البسطاء والفقراء. فقد اكتشف هؤلاء أن النظام ينتمي إلى طائفة أقلوية في سوريا، وأن هذه الطائفة تكاد تلامس الكفر أو لامسته فعلا. وصار بديهيا بالنسبة للبسطاء أن أهل السنة ـ الأكثرية ـ هم الأولى بالحكم والسلطة. وتم حشد شواهد دينية وتاريخية وآيات وأحاديث وتواريخ، جعلت من المفرغين من هذا الأمر علماء ومفسرين. لم تعد خطبة الجمعة حتى خارج سوريا تخلو من هذا كله. وفي كل مرة يستمع مزيد من البسطاء والفقراء إلى هذا الإرث، تزداد نسبة مؤيدي الثورة، ويلتحق بالمسلحين مزيد من الشباب. ثم دخلت لاحقا قصة الجنة والحوريات، وهي“الغنيمة“ الأكبر للإنسان على هذه الأرض منذ جلجامش؛ الخلود في النعيم كما يتصوره العقل البشري.

هل حُلّت مشكلة في سوريا؟ لقد حاول الإعلام السياسي الإيحاء باقتراب حل المشكلة، حتى إنه وضع آماله أحيانا في قصف إسرائيلي ن دون خجل. كما كان للدور التركي في التسليح والتدريب والدعم اللوجستي عسكريا وسياسيا دور كبير في الإيحاء باقتراب حل المشكلة.

ما غاب عن بال المؤلف هنا، هو فعل الزمن وأثره في الإيحاء الكاذب. فكلما مر الوقت فقد الإيحاء سحره ونفوذه القويين. فالإيحاء ذو أثر آني وراهن، لأنه قائم على انغماس العقل مباشرة في التجربة. كما إن مرور الزمن من دون تحقيق شيء مما تم الإيحاء به، يقلل من فاعلية الإيحاء، إلى أن يتمكن العقل من نسيان الإيحاء كله. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الإيحاء يقوم بالتلاعب بالعقل، إلى الحد الذي يصبح العقل مجرد عجينة ليّنة في يد الموحي. كما إن الخسارات“نقيض الوعد“ تقلل من فاعلية الإيحاء. أما أكثر ما يبطل سحر الإيحاء في هذه الحال، فهو غياب الغنيمة. وربما لهذا السبب انتعشت داعش التي حققت انتصارات وسبت النساء والبلدات وفرضت الجزية ووعدت الناس بالجنة.

فما العمل عند إخفاق الإيحاء؟ لا بد من دوران عجلة العقل مرة أخرى، وعودته إلى مداره الطبيعي. هل هذا ما أخذ يحدث حقا في الآونة الأخيرة؟ أجل هنالك العديد من المؤشرات على ذلك.. ربما!

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة