لا أريد لهذي الحرب أن تنتهي

لا أريد لهذي الحرب أن تنتهي

ستتوقّف فجأة آلة الموت ساحبة أكثر ما أمكن لها من جثث وبيوت وأشجار ومستشفيات ومدارس ...

وئام غداس

جملة قرأتها منذ العدوان الأخير على مدينة غزّة الفلسطينية وقد كتبتها إحدى المواطنات الفلسطينيات.

“ لا أريد لهذي الحرب أن تنتهي“ ، إستغربتُ كثيراً في بادئ الأمر إذ ليس من الطبيعيّ أن تتمنّي مواطنة ترزح يوميا تحت قصف الطائرات والبوارج والدبابات وتطوف حولها رائحة الموت في كلّ مكان منتظرة مع كلّ ثانية أن يطال أحد أفراد عائلتها أو يطالها هي نفسها ، أن لا تنتهي الحرب .

هل ثمة كائن على وجه البسيطة تُطوّق جهاته حرب ولا يحلم ويصلّي كلّ ثانية أن تنتهي ؟

إنّها هذه المرأة !

لمّا تستدرك قولها ، أفهم قصدها تماماً ويؤلمني ما فهمت ، أنّ الحياة بعد الحرب أصعب كثيراً منالحياة أثناءها ، الحياة بعد الحرب لاتعود حياةً .

ستتوقّف فجأة آلة الموت ساحبة أكثر ما أمكن لها من جثث وبيوت وأشجار ومستشفيات ومدارس …

وسيخرج من بقي على قيد الحياة ليبحث عمّا تبقّي ، سيتلفّتُ حوله كثيراً ولن يرى شيئاً عدا الخرابوالفراغ الهائل الذي لا يحدّه جدار ولا شجرة ولا مبنى ، أضحت المدينة عبارة عن كتلة ضخمة من

ركام ، معجونة بعضها ببعض في كتلة عجيبة هي خير صورة للدمار بالمعني الحرفيّ للكلمة ، أكداس من حجارة ، نصف جدار ، هنا ربعه فقط ، صورة عائليّة مكبّرة في إطار فضيّ ، ثياب،

خزانة ، باب ، سرير ، أواني مطبخ ، دمية بلا رأس ، حوض بيت إستحمام ، كتب ، دفاترمدرسيّة، ثلاجة ، كرسي ، ولكَ أن تتخيّل كلّ شيء ..

ستتوقّف فجأة آلة القتل وسيبدأ الناس في البحث عن بيوتهم ، عن أهلهم ،عن جيرانهم وأصدقائهمسيبدأ الجميع في تحسّس وجه الحياة المثخن بالجراج ، ببطء وهدوء بالغ ، ماذا تبقي منها ؟

وسوف يعثرون كلّ مرة على إسم جديد في قائمة الخسائر ، وسوف يبحثون كثيراً عن أطراف جثثهم المفقودة وستبكي أمهات بلا حصر على قبور إعتقدن أنها لأبنائهنّ والحال أنها جثث أطلقت

عليها أسماء كيفما اتفق وقد تكون جثة مفكّكة ساق لهذا ويد لذاك ورأس لشخص آخر .

سيفيق الذين كانوا بغرف العناية المشدّدة من غيبوبتهم وأولئك الذين أفاقوا ولكن ليس بعد من صدمة الحرب وسيتحسسون مواضع سواعدهم التي بترت ، وأرجلهم وأولئك الذي أضحوا يحملون عاهات

أخرى مستديمة ،الذين دخلوا الحرب معافين كاملي الأطراف وخرجوا منها بوسام : ”معاق ”.

هؤلاء الذين لن يحضوا إلا بنظرات الشفقة وأمام معاق سينسى الجميع لقب البطل ، عندها سيمعن الجميع في التساؤل عن معني الحياة بعد الحرب ،سيكتشف أولاد المدرسة أن مكان صديقهم فلان

بات فارغاً وصديقتهم فلانة لم يعد بإمكانها أن تكون هنا لأنها بلا يدين لتكتب بهما .

ستتلخص مأساة شعب بتاريخ صغير للعدوان عليه ، وبعض الأرقام إشارة إلى عدد شهدائه،ويواصل الجميع حياتهم بشكل طبيعيّ جدا ،وحدهم هم من ستظلّ ظلال الحرب الثقيلة جاثية فوق

صدورهم بالذكريات الحزينة ، بالمدينة التي ستبدأ من الصفر كأنه لم يقم فيها يوم جدار واحدولا كان حقل ولا زرع ، بصور الذين ذهبوا بلا رجعة ، بأصوات الأطفال الفزعة كلّ ليلة

من الكوابيس ، من رعبهم من الأصوات المرتفعة ، وبكاءهم كلما رأوا طائرة حتى على شاكلة صورة أو حتى لعبة صغيرة .