دمى على مسرح دموي

دمى على مسرح دموي

يوسف ضمرة

تستعد عائلة القذافي، وأقاربه، للعودة إلى ليبيا. ويؤكد أحد أبرز أقاربه أن قانون منع الرموز السابقة من ممارسة السياسة سوف يُلغى.

حسنا، ولا بأس؛ فقد عاد رفاق بن علي وبورقيبة إلى السلطة في تونس، وعاد أركان مبارك إلى السلطة في مصر، السياسيون والعسكريون، وظل أركان علي عبد الله صالح في السلطة إلى اليوم، حيث تم ترفيع نائب الرئيس إلى رئيس.

نحن نتحدث إذاً عن دول الربيع العربي، أليس كذلك؟ وهو ما يعني أن كل هذه الضحايا وهذا القتل والتخريب والدمار والفوضى، لم يأت إلينا إلا بما نعرفه. كل ما في الأمر هو أن هنالك تغير في بعض الوجوه في مراكز معينة، لكنه تغير لا يمس الجوهر بمقدار ما يطال الملامح الخارجية.

الأهم من هذا وذلك كله، هو أن هذه العودة ـ في هذه الدول كلها ـ ترافقت مع انتشار التطرف والفوضى المدمرة. فقد انتشر السلاح في كل حارة وشارع وبيت، وتوالدت تنظيمات مسلحة متطرفة، بعضها تكفيري وبعضها قبلي وعشائري، ما يعني أننا زرعنا خلال هذه السنوات كثيرا من الخيبات في بلادنا، وهي لن تثمر إلا مزيدا من التخبط واليأس وفقدان الأمل، ومزيدا من التناحر والفوضى، وهو ما سوف يعوق أي فكرة تنطوي على تطوير البلاد وتقدمها، ناهيك عن فكرة محاربة إسرائيل أو حتى التطرق إلى ذكرها بالسوء!

هل نحن بحاجة مزيد من الدم بعد، لكي ندرك أن عالمنا العربي كان هدفا للتخريب؟

أجل، فليس عبثا أن تنتشر هذه التنظيمات والجماعات المسلحة. وليس عبثا أن يتم إيقاظ فتنة أكل الدهر عليها وشرب، لتصبح قضية العرب الأولى، وخبزهم اليومي.

وبغض الطرف عن انحيازنا لهذا الطرف أو ذاك، فإن سؤالنا عن الفروقات بين ما كان وما أتى وما سيأتي، سيكون مشروعا بالضرورة. فهل سال كل هذا الدم في ليبيا مثلا، لتغيير القذافي شخصيا؟ هذا ليس صحيحا بالطبع. فتغيير شخص أو تنحيته أمر يعد مثل“شربة الماء“ بالنسبة للأمريكان ولإسرائيل. أي إن أمريكا كانت قادرة على تدبير انقلاب عسكري غبي، أو اغتيال القذافي شخصيا وينتهي الأمر. وهو ما كانت قادرة على القيام به في تونس ومصر. لكن تجارب من هذا النوع، لم تشكل حلا لأزمات تنطوي في جوهرها على فكرة الثورة الشعبية الحقيقية، كالفقر والقمع والاستبداد. وقد جربت أمريكا ذلك خلال استبدال السادات. فقد سارت العجلة المصرية سياسيا واقتصاديا من دون أي رتوش توحي بالتغيير، الأمر الذي فاقم من مشكلات مصر، وجعلها تصمد وتتضخم في عهد مبارك، بعد أن أنجز السادات كامب ديفيد، ولم تجر أنهار العسل واللبن في مصر كما وعد.

كان من الضروري نقل البندقية من كتف إلى أخرى. خلق أعداء جدد، وتخليق أجنّة تنذر بالجحيم عند كل منعطف وزاوية ومفترق طريق. كان لا بد من إشغال الناس بالأمن الذاتي والسلامة الطبيعية. كان لا بد من نشر الخوف والرعب، ليصبح هاجس الناس مختزلا في النجاة. وليفكر المرء ألف مرة في عواقب التفكير بالتغيير الاجتماعي والاقتصادي. فلا أحد الآن في مصر مشغول بموضوعات البطالة والفقر والتنمية، إلى درجة أن إقامة سد النهضة في إثيوبيا، لم يعد يشكل هاجسا للمصريين كما ينبغي له أن يكون، لأن عيون المصريين شاخصة إلى بنادق الإرهاب التي تستهدف أبناءهم وحياتهم ومصائرهم. وهو ما ينطبق على تونس وليبيا واليمن، ناهيك عن المضي قدما في تدمير سوريا، إلى أن يتم تقسيمها ربما، أو تعيش مرحلة الصوملة حتى النهاية.

المهم في كل ما سبق، هو راحة إسرائيل وضمان أمنها، وعدم التفكير في امتلاك الثروة العربية، والتحكم فيها. أما الحرية والديمقراطية وما إلى ذلك، فقد أوصى مجلس الشورى السعودي أخيرا بالسماح للمرأة بقيادة السيارة، ولكن، ضمن شروط وتحت قوانين، تمكن قراءتها وتمجيدها إن أردتم.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com