كيف نجت السعودية من التقسيم؟

كيف نجت السعودية من التقسيم؟

احتفال المملكة العربيّة السعوديّة بيومها الوطني، والذي يؤرّخ لذكرى تأسيس المملكة وتوحيدها، ظاهرة جديدة نسبيًّا، لم يعرفها السعوديون على المستوى الشعبي إلا منذ العام 2005 بعد أن تقرَّر أخيرًا أن يكون هذا اليوم عطلة رسميّة بقرار من الملك الراحل عبد الله بن عبدالعزيز آل سعود.

فرغم ما تمثله المناسبة من معانٍ، وما لدلالاتها مِن تأثيرٍ عميقٍ على حياة السعوديين السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، ظلت احتفالاتُ المملكةِ لعقودٍ طويلةٍ قاصرَةً على العيدين الدينيين: الفطر السعيد، والأضحى المبارك. وقد كانت محاولات الاحتفال باليوم الوطني كعيدٍ ثالثٍ، تصطدم لعقود طويلة، بأفكار الذين جعلوا مِن كلّ مبادرةٍ مهما كانت أهميتها ودلالاتها، بدعةً وضلالةً، تتناقض مع النظرة الضيّقة التي حكمت علاقة الدين بالدولة.

المملكة في الذكرى الثامنة والثمانين لقيامها، والتي تصادف الثالث والعشرين من الشهر الجاري، تشكّل بدايةً لمرحلةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ جديدةٍ، تحمل نكهة التأسيس، بكلّ ما فيها من تحدّ، وما تتضمَّنه من تطلّعاتٍ وآمالٍ، لا يستوعبها،  إلا من توافرت لديه العزيمة والجرأة، والقدرة على استشراف المستقبل وملاقاته، لا انتظاره.

في تاريخ المملكة الحديث أربعُ مراحل بدأت بمرحلة التأسيس مع بدايات القرن الماضي، الأولى منها أخذت شكل السباحة عكس التيار؛ ففي الوقت الذي كان فيه العالم العربي يتشظّى إلى دولٍ وكياناتٍ صغيرة، كان الملك المؤسس يعمل على توحيد أجزاء المملكة في كيانٍ سياسيّ واحدٍ مترامي الأطراف.

كان الملك عبد العزيز آل سعود، وهو يوحّد أجزاءَ المملكة حينها، يغرّدُ خارجَ السربِ العربي الذي كان يتفرَّق — طوعًا أو كرهًا — على عددٍ من الدول العربية الصغيرة في مساحاتها، الشحيحة في مواردها، الرهينة في مصائرها وسياساتها.

لم تكن مهمَّةُ الملك عبد العزيز سهلةً، وكان التحدّي أمامَه صعبًا، إنْ على الصعيد السياسي الذي كان يشهد تدافعًا استعماريًّا باتجاه المنطقة، أو على الصعيد الاقتصادي الذي لا تتوافر له إمكانيات وموارد بحجم الطموح الذي كان يعيشه الملك المؤسس، والآمال التي يرنو إليها.

تأسيس الكيان السياسي للمملكة مع بدايات القرن الماضي، كان عملًا سياسيًّا باهرًا بكل المقاييس، فقد جنَّب شبه الجزيرة العربية  –إلى حدّ كبير — مشرطَ التقسيم المشرَع من القوى الاستعمارية في كل اتجاه، وأتاح للكيان الجديد فرصة اللعب مع الكبار، وذلك عندما فرض واقعًا سياسيًّا لم يكن من السهل تجاوزه، ووفر دِرْعًا حَمَت الموارد النفطيّة التي فتحت شهية القوى الكبرى طمعًا بحصة منها، أو ربَّما الاستئثار بها. وأكثر من كل ذلك، فإن قيام المملكة ساهم في تكريس وتأكيد الطابع القومي والإسلامي للمنطقة، من خلال هوية وطنية يتناغم فيها الدور السياسي والاقتصادي الذي أخذت تلعبه الرياض،  مع دورها في حماية ورعاية المقدسات الإسلامية.

في المرحلة الثانية التي بدأت في عهد الملك فيصل، انطلقت عجلة  التنوير، والبناء الداخلي، تأكيدًا على استقرار المملكة ككيانٍ سياسيّ ثابتِ الأركان، وإيذانًا بانطلاق عجلة التنمية الشاملة.

كان التعليم هو التحدي الكبير الذي واجهته المملكة في ذلك الوقت، وكانت هذه المهمة لبلدٍ يُطْبِقُ عليه الجهلُ، وتنتشر فيه الأميّة، حجرَ الزاوية في خطط التطوير وفي مختلف مشاريع التنمية بكل القطاعات ومختلف المناطق.

لم تكن قلة الإمكانيات الماديّة هي أقسى مظاهر ذلك التحدي، بل كانت الثقافة السائدة والمفاهيم الخاطئة من بين ما واجهه الملك فيصل، وهو يعمل دونَ كللٍ على نشر مظلة التعليم، وفتح نوافذ التنوير، لا على امتداد جغرافية المملكة وحسب،  بل بين كافة شرائح المجتمع، خاصة الإناث اللواتي كان تعليمهن يجد معارضةً -في ذلك الوقت- أعتى من المعارضة التي منعتهن من قيادة السيارة عقودًا عديدة.

أما المرحلة الثالثة فقد أمتحِن الدور الإقليمي الذي تلعبه المملكة، عندما وجدت نفسها أمام تغيّرات إقليميّة عاتية بدأت بالثورة الإيرانية التي جاهرت بمطامعها من خلال شعارات تصدير الثورة، ومرورًا بالحرب العراقيّة الإيرانيّة، فغزو الكويت وما ترتَّب عليه من خللٍ عميقٍ في الأمن الإقليمي، ثم غزو العراق وما انتهى إليه من تغلغل إيراني، وتحشيد طائفي.

كان التحدي في هذه المرحلة كبيرًا، وبدا أن الكيان السعودي مهدَّدٌ في وجوده وفي دوره. لكنَّ الرياض التي نجحت في تجاوز تحدّيات التأسيس، وتحدي البناء الداخلي، نجحت مرة أخرى، وخرجت من الامتحان وهي أصلبُ عودًا وأصعبُ كسرًا.

اليوم، ومع المرحلة الرابعة التي يقودها الملك سلمان، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تنفض المملكة الغبار عن الاستحقاقات المؤجَّلة، وتندفع باتجاه ولادة جديدة، لا للحاق بما فاتها فقط، بل لملاقاة المستقبل بأدواته، وليس اعتمادًا على الأساليب التقليدية، التي عطلت القرار،  وأشاعت جوًّا من التردّد، والحذر غير المبرّر في كلّ قرارٍ سياسيّ أو اقتصاديّ أو اجتماعيّ.

في هذه المرحلة يَجري تحفيز الطاقات الكامنة، والإمكانيات الهائلة من موارد المملكة البشريّة والاقتصاديّة، وفكّ الأغلال، ونبذ المفاهيم الاجتماعيّة الضيّقة التي أبطأت الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة وشوَّهتها.

المملكة في عيدها الثامن والثمانين وهي تعمل لتغيير شكل الحياة ونوعها، تدرك أن هذه المهمَّة ليست اختيارًا بل ضرورة لتحصين التجربة السياسيّة وتأمين استقرارها لا في الداخل فقط، بل لمواجهة قوى إقليميّة وخارجيّة، جعلت من المملكة هدفًا لمخططاتها، ومطامعها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com