وثيقة كيفونيم والتراجيديا العربية

وثيقة كيفونيم والتراجيديا العربية

يوسف ضمرة

قبل طرح السؤال النمطي: من أين جاءت داعش؟ علينا أن نطرح أسئلة أخرى نراها أكثر أهمية، مثل: لماذا سوريا والعراق ولبنان؟

تشير وثيقة إسرائيلية نشرت في العام 1982 في مجلة ”كيفونيم“ الصادرة عن منظمة صهيونية، إلى أهداف إسرائيل ومخططاتها ورؤيتها في ثمانينات القرن المنصرم، لبناء الشرق الأوسط الجديد، كما حلم به شمعون بيريز وبقية زعماء إسرائيل.

وقد جاء في الوثيقة ـ يمكن قراءتها بالعربية من ترجمة الدكتور عصمت سيف الدولة ـ أن تكريس اللغة الأمازيغية في الجزائر بخاصة، والمغرب العربي بعامة، يعد أمرا ضروريا لإشغال تلك المنطقة، ولتقليل الانتماء العروبي، تمهيدا لإبعاد تلك المنطقة العربية عن الصراع العربي الصهيوني. وتشير الوثيقة إلى أنه بعد إخراج مصر من ساحة الصراع، فإن المطلوب هو إخراج دولتين كبيرتين هما العراق وسوريا، إضافة إلى لبنان الذي يشكل نقطة جذب لتنظيمات مسلحة قد تهدد إسرائيل في أي وقت.

كان الخلاف هنا حول الأولويات والتفاصيل، وقد استقر الرأي أخيرا على البدء بتفكيك العراق، ثم سوريا، والعمل في هذه الأثناء على تقسيم لبنان إلى دويلات طائفية صغيرة متصارعة.

وليس مستغربا أن يقوم بريمر فور احتلال العراق بحل الجيش العراقي. وشيئا فشيئا بدأ تقسيم العراق عمليا وعلى الأرض، من خلال المحاصصة الطائفية والعرقية، فانفصل إقليم كردستان العراق عمليا، وأصبح يتمتع بمقومات الدولة المستقلة، إلى الحد الذي جعله يقوم بتصدير النفط من دون العودة إلى بغداد. ومن المعروف أن هذا الإقليم بزعاماته التقليدية، فد نسج علاقات استراتيجية مع الكيان الصهيوني، وأصبح الموساد يشكل أكبر قوة استخباراتية في الإقليم، بالنظر لما يتمتع به موقعه الاستراتيجي من أهمية بالغة.

وبالتوازي مع ذلك، تم إيقاظ فتنة سنية شيعية، ما سهّل عملية فصل المناطق العراقية، ومطالبة الكثير من السياسيين باتحاد فدرالي. وهو الأمر القائم اليوم، وإن ليس بشكل رسمي معلن.

لم يصمد الجيش العراقي أمام هجمات داعش في أي مكان، ولم تقدم له أمريكا ما يلزم لتعزيز قدراته. ولذلك رأينا الميليشيا الكردية“البيشمركه“ تتصدى لداعش في العراق، ووحدات حماية الشعب الكردي تتصدى في سوريا.

تم تنفيذ هذا البند بنجاح بيّن وصريح، وتم الانتقال إلى سوريا. كانت بدايات ما سمي بالربيع العربي فرصة ملائمة لاستهداف سوريا. جرى كل شيء وفق ما تم له من تخطيط مسبق. تمت شيطنة النظام السوري أكثر من أي نظام عربي. تدفقت الأسلحة إلى سوريا، وبدأ استنزاف الجيش السوري، وكان وجود العلويين في السلطة فرصة لاستنفار ”الجهاديين“ كالنصرة وألوية الشام وأحرار الشام ثم داعش. أي إنه جرى استنساخ التجربة العراقية المذهبية في سوريا، ولكن بشكل أكثر قوة، حين أضيف إليها معادلة الحرية والديمقراطية والتخلص من الاستبداد.

تراجيديا كارثية حطت رحالها في عالمنا العربي من شرقه إلى غربه. وكل دولة تحاول لتقليل قدر الإمكان من خسائرها الراهتة والمستقبلية، ويبدو الأفق مسدودا تماما أمام العديد من هذه الدول كليبيا وسوريا، حيث عشرات آلاف المسلحين الذين يشكلون دولا داخل الدولة الواحدة، وبارتباطات خارجية أصبحت واضحة.

لم تعد فلسطين أيقونة العالم العربي كما كانت من قبل. أصبح الحديث في القضية الفلسطينية هامشا لا متنا أساسيا. ولا يكاد أحد يتذكر هذه الفلسطين إلا حين تشن إسرائيل عدوانا أو ترتكب مجزرة جديدة. حيتها نستخرج طقس العويل من داخلنا ثم ننسى، ونعود إلى متابعة هذه التراجيديا التي تبدو مستعصية وأبدية!

هل نجحت إسرائيل في تنفيذ بنود وثيقة“كيفونيم“؟

يتحتم علينا انتظار فائض القوة“الجهادي“ ومآله يوما ما..

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com