الجانب المضيء للعلاقة مع إيران

الجانب المضيء للعلاقة مع إيران

المصدر: تاج الدين عبد الحق

قد يكون العدد الذي قدّره منظمو مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس الأسبوع الماضي مبالغًا فيه بعض الشيء، لكن حجم الحضور، والتنوع ودقة التنظيم، كان أمرًا لافتًا لكل من حضر أو راقب أعمال المؤتمر وتابع مناقشاته.

على أن حجم ونوعية المشاركين، يظل بمعيار التحليل، أقل قيمة من المناخ الذي انعقد به المؤتمر، والذي بدا أنه مناخ ربع الساعة الأخير من عمر النظام الإيراني. فخلال الجلسات التي كانت تمتد لساعات، كانت أنباء المظاهرات والاحتجاجات، والمواجهات بين قوات النظام الإيراني وقوى المعارضة في الداخل تتوالى، بشكل أعطى للمؤتمر زخمًا ميدانيًا، وأوجد نوعًا من التفاعل بين قوى المعارضة الداخلية والقوى الخارجية.

ولعلّ لجوء النظام إلى الحل الأمني في التعامل مع حالة الاحتقان الشديد التي تعيشها إيران حاليًا، ومع المظاهرات المستمرة منذ بعض الوقت، دليلٌ على حجم المأزق الذي يعيشه النطام في طهران حاليًا، وعلى استنفاده لكل الإمكانيات والفرص المتاحة لاحتواء الاحتجاجات وحصرالصدامات.

وكان التناغم بين الشعارات التي كان يرفعها المتظاهرون في المدن الإيرانية، وما رفع في مؤتمر باريس، شاهدًا على أن ما طرح في المؤتمر، كان شعارات واقعية، عبّرت عن برنامج سياسي متكامل يتنبأ أو يبشر بسقوط النظام خلال العام الحالي.

وإذا كانت المشاركة الواسعة من قبل قوى المعارضة في باريس دليلًا على مدى اتفاق هذه القوى على طبيعة المواجهة وأهدافها، فإن المشاركة الدولية، والتمثيل الرفيع لبعضها في أعمال المؤتمر، إشارات على مدى العزلة التي يواجهها النظام، وعلى مدى الجدية التي ينظر بها العالم لفكرة تغيير النظام في طهران، وإيجاد البديل القادر على التصالح مع المجتمع الدولي، والتصدي للأطماع التوسعية لنظام الملالي.

التزامن بين انعقاد المؤتمر، وتصاعد وتيرة الحديث عن تجديد وتكثيف العقوبات التي ستفرضها الولايات المتحدة على إيران، أعطى بعدًا دوليًا للمؤتمر، انعكس في خطابات الوفود الأجنبية التي تحدثت أمام المشاركين، وأظهر أن تلك العقوبات تنسجم مع تطلعات الإيرانيين الذين باتوا أكثر وعيًا بأثر تلك العقوبات في تعميق أزمة النظام، وتقليص خياراته لمواجهة المعارضة المتزايدة التي يواجهها من القوى السياسية والاجتماعية والقومية كافة.

مؤتمر المعارضة الإيرانية، بالحضور المكثف الذي تجسّد فيه، وجّه رسالة للمجتمع الدولي مفادها، أن هناك شريكًا موثوقًا، يمكن التعامل معه لحل المشكلات مع إيران، ويعتمد عليه لفتح صفحة جديدة في علاقات طهران مع محيطها الإقليمي، وذلك في حال تخلى المجتمع الدولي عن محاولاته العقيمة لإعادة تأهيل النظام الإيراني الحالي والتوقف عن منحه مزيدًا من الفرص التي ظل يستثمرها في تشديد قبضته في الداخل، وزيادة نزعته العدوانية في الخارج.

 ويبدو أن الرسالة وصلت إلى أطراف فاعلة في التحالف ضد الممارسات الإيرانية المستفزة، وأطماعها التوسعية. وقد تبدّى ذلك واضحًا في حضور شخصيات ووفود من السعودية والبحرين ودول خليجية أخرى واليمن، فضلًا عن المعارضة السورية، أعمال المؤتمر، وهذا معناه أن المعارضة الإيرانية مستعدة لتصحيح ما أفسده النظام، ومهيأة لإعادة مسار العلاقات الإقليمية المتوترة،  إلى حضن الشراكة التاريخية التي حفظت استقرار المنطقة وأمنها.

 منظمة “مجاهدي خلق” برئاسة السيدة مريم رجوي، شكلت العمود الفقري في تنظيم المؤتمر والإعداد له، إلا أن تمثيل قوى المعارضة القومية والحزبية وقوى المجتمع المدني في المؤتمر، أعطى للشعارات التي رفعها المؤتمر، بشأن حقوق الإنسان والحقوق المدنية والقومية، مضمونًا واسعًا استوعب هواجس وأولويات المعارضة الإيرانية بأطيافها كافة . فللمرة الأولى تطرح حلول لمشكلة التنوع القومي، من خلال الاعتراف بهذا التنوع أولًا، ومن خلال الاعتراف بالحقوق المتساوية لكل القوميات تاليًا، بما في ذلك حقها في إدارة شؤونها الذاتية.

مؤتمر المعارضة الإيرانية كان فرصة لتسليط الانتباه على جانب مضيء في العلاقة مع إيران، وعلى الجهد الذي تبذله قوى المعارضة الإيرانية لترميم علاقات إيران الإقليمية، ومساعيها للتخلص من الصورة العدوانية التي زرعها النظام الإيراني في الخارج، عبر مطامعه التوسعية، والرغبة بتصدير مشروعه الطائفي، وإثارة الحروب المذهبية، ومن خلال العمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتصدير الإرهاب، والمشاركة في الحروب الإقليمية المختلفة، لصرف النظر والانتباه عن حروبه الداخلية، مع قوى المعارضة بأطيافها، وعناوينها المختلفة.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع