أنا و نزار قباني والحب الأول

أنا و نزار قباني والحب الأول

محمد بركة

أنا لم أكن يوماً عظيم الإعجاب بالبيت الشعري القديم:

نقلَّ فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأولِ

فالحب هو آخر شئ يمكن أن تحاصره بقواعد مانعة جامعة أو تختزله بأحكام نهائية مطلقة، ثم ما المانع حقاً أن يكتشف المرء ذاته الحقيقية في الحب الثاني، أو يستكمل ما كان ينقصه طوال عمره في الحب الأخير؟

ظل العرفان الوحيد الذي أحمله لذلك البيت يعود إلى انتشاره المدهش بين عفاريت الإنترنت في الألفية الثالثة، هؤلاء الذين وجدوا في التراث العربي أخيراً شيئاً يلمس بكلمات سهلة أوتار مراهقتهم الحساسة، فحفظوه دون أن تطلب المقررات المدرسية منهم ذلك..

ينبغي علىَّ رغم هذا أن أقر بأن قصة حبي الطفولية المكتوبة بحبر البراءة والسذاجة مع ”هويدا“ تمنح ذلك البيت مصداقية هائلة، نظراً للظروف الاستثنائية والملابسات الغريبة التي أحاطت بالموضوع.

لكل قصة حب مقدمة إلا حبي لهويدا، إذ أني أغوص عميقاً فى بئر الذكريات فلا أعثر على نقطة بداية أتتبع بها الترتيب المنطقي للأحداث سوى صوت جرس المدرسة معلناً انتهاء الفسحة. جميع التلاميذ عادوا إلى فصولهم حتى خلا الفناء تماماً إلا مني أنا والجميلة الغامضة…

كانت ترتدي ”المريلة الكحلي “ وتشير بيدها إلى سماء زرقاء صافية منقوشة بعشرات من النقط البيضاء البعيدة المتحركة، والتي سرعان ما اقتربت واتضح أنها سرب من الطيور.

شهقت هويدا فى انبهار وقالت:

– الله … أوز عراقي!

كانت شمس دافئة تفرش الفناء، والمدرسة جزيرة بيضاء وسط غيطان الفول الأخضر بقرية بعيدة منسية ألقتها الأقدار على هامش ريف الدلتا أوائل الثمانينيات، والكون كله في حالة من الصمت الذي لا يقطعه سوى دقات قلبي المتسارعة العنيفة.

نظرت هويدا في عيني مباشرة وقالت:

– شايف يا ميدو!

ولا أنا كنت ميدو.. ولا عيني كانت شايفة.. كنت أسير فتنة الملاك الأشقر وقتيل قمر الظهيرة.. وعرفت أن قلبي الصغير الأخضر مخبأ بحويصلة أوزة عراقية، وعرفت أن دموع العالم ما عادت تعدل دمعي، وعرفت أن نزار قباني ربما كان مجرد تاجر شاطر يجيد تسويق بضاعته كما هي عادة أهل الشام لكن المؤكد أن ”الحزن علىَّ هو المكتوب“…

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com