كوريا الشمالية انتصار أم بداية انهيار ؟

كوريا الشمالية انتصار أم بداية انهيار ؟

المصدر: تاج الدين عبد الحق

لم يتابع الإعلام القمة الأمريكية الكورية الشمالية، ترقبًا لما ستسفر عنه من نتائج، بل لنقل أجواء الإثارة التي تحيط بها، والمفارقات التي قد تحدث خلالها، خاصة وأن الرجلين مثيران للجدل أصلًا، ويمثلان مادة خصبة للصحافة الشعبية .

دونالد ترامب الذي كان من شهور يتوعد ويهدد بتدمير كوريا الشمالية، يجلس وجهًا لوجه مع غريمه الذي لم يتورع عن إطلاق تهديدات مماثلة للولايات المتحدة الأمريكية .

اللامعقولية التي اتسمت بها التهديدات، تحولت إلى لا معقولية في سرعة الانفراج، الذي جعل من القصة كلها أشبه بمسرحية هزلية مليئة بمفارقات كل ما فيها يوحي بجنون أبطالها، وتناقض أحداثها.

أهمية القمة بين ترامب وكيم جونغ أون، ليست فيما يمكن أن تسفر عنه من نتائج مباشرة، بل لأنها قد تكون بداية لحقبة جديدة في تاريخ المنطقة والعالم . فكوريا الشمالية -التي يبدو أنها الشاهد الوحيد على حقبة الحرب الباردة، والأثر الباقي من عالم يمضي إلى النسيان-  في طريقها إن نجحت القمة، لنوع من التحول السياسي والاقتصادي، الذي يضع حداً لطموحات القوة، وجنون العظمة.

الضمانات الأمريكية التي تعهدت الولايات المتحدة بتقديمها لكوريا الشمالية ، برغم ما فيها من التزام بعدم التعرض للنظام القائم في بوينغ يانغ، وعدم العمل على تقويض سلطة الرئيس الكوري الشمالي، إلا أنها في المدى البعيد ستكون بداية النهاية لعزلة كوريا الشمالية، وبداية لهبوب رياح الانفتاح الاقتصادي والسياسي والتقني، وهو ما يعني نجاح ما يعرف بسياسة الاحتواء، وخلق ديناميكية جديدة للحياة هناك، تقود إلى التغيير الحتمي الذي لا يحدد مصير النظام فحسب، بل يرسم مسار الصراع في شبة الجزيرة الكورية، ويبعث أملًا جديًا  بتوحيد الكوريتين بعد عقود من الحروب الساخنة والباردة بينهما.

من المبكر أن نحدد من ربح ومن خسر في المواجهة السياسية بين ترامب وكيم جونغ أون، لكن اللقاء بحد ذاته يمكن أن يكون نقطة تحول لا في علاقات البلدين بل في الوضع في آسيا برمتها . فالصراع مع كوريا الشمالية له امتدادات كثيرة، بدءًا من الشطر الجنوبي الذي سيقطف ثمار الانفتاح الأولى أمنيًا وسياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، مرورًا بالصين التي ستتخلص من العبء الذي كانت تمثله بوينج يانج على علاقاتها بواشنطن، وانتهاء باليابان صاحبة العداء التاريخي مع كوريا.

كل هذه الأطراف شريكة في القمة الأمريكية الكورية الشمالية بشكل أو آخر، ونجاح القمة أو فشلها كان سينعكس على الوضع الأمني والسياسي في المنطقة برمتها . ولذلك فإن فاتورة الحوافز الاقتصادية التي تنتظرها كوريا الشمالية ثمنًا للتخلص من ترسانتها النووية هي فاتورة جماعية، لن تدفع منها واشنطن بالضرورة شيئًا، وجل ما قد تفعله قرار برفع العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية بشكل  يسمح لكافة الدول والشركات والأفراد  بحرية العمل والاستثمار والانتقال، وهو ما سيترك آثارًا عميقة على بنية المجتمع الكوري الشمالي الذي ظل حبيس نمط حياة واحد، لم يتبدل طوال عقود طويلة.

النظام في كوريا الشمالية عندما قبل اللقاء مع واشنطن لم يقبله مختارًا، والاستفزاز النووي الذي قام به في السنوات القليلة الماضية كان استعراضًا للقوة لا غير، ولم يمثل تهديدًا حقيقيًا للولايات المتحدة . بوينج يانج كانت مضطرة بعد أن جوعتها المقاطعة وطوقتها العزلة، أن تلوّح بسلاحها النووي بهدف التحرر من  سطوة العقوبات، ومرارة الجوع، دون أن يتخلى النظام هناك عن تفرده بالسلطة أو يتخلى عن تمسكه بها .  وفي كل هذه السنوات كانت بوينج يانج،  تعمل على رفع قيمة الحوافز الاقتصادية  والمالية والأمنية  التي يمكن أن تحصل عليها،  وتقليص المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها،  إن هي تخلت عن خيارها النووي . وإلى أن تتضح معالم الصفقة التي حصلت عليها كوريا الشمالية، فإن ما يمكن قوله الآن هو  إن أي اتفاق، مهما كان حجمه سيظل أفضل من  سياسة حبس الأنفاس التي كانت تضع العالم على شفير مواجهات مدمرة  ليس فيها خاسر ورابح حتى من بين الأطراف التي تشعلها.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع